الرأي

فوهة البركان

عبد الرزاق الحجوي

قد لا يكون أهم أسباب فشل خط غاز نيجيريا – الجزائر الذي أعقب الإعلان عنه ازدهار قوي لموارد الدولتين ولسوق الطاقة ككل، ما ينفي فرضيتي صعوبة التمويل والخوف من ضعف المردود، قد لا يكون أهم سبب سوى خوف النظام العسكري من فقدان مظلة موسكو الحيوية بالنسبة إليه، هذا إن لم يكن وقع هناك شيء أكبر من التوجس فقط كالأمر الواضح والمباشر. فكل مشروع سينتهي بالتخفيف من وطأة اعتماد شعوب أوربا على الغاز الروسي لن يكون محل ترحيب ولا رضاء من طرف القيصر، الذي يصعب تفسير احترام عدة قوى عظمى لحرماته، حتى لو صرخت هذه القوى كثيرا فإنها لم تبذل جهودا بنفس الدرجة لأجل أوكرانيا أو القرم أو لأجل شعب سوريا.
إن الشركات الفرنسية كغيرها من التي تستغل حقول النفط بأدغال إفريقيا، تضطر إلى الدفع لأقوى العصابات بالمنطقة مقابل حمايتها لأنبوب داخلي فقط، لنقل النفط، من هجمات باقي العصابات المسلحة، حسب شريط وثائقي عرضته كنال پلوس قبيل سنوات. فمسألة ضمان الأمن لفترة صغيرة فقط في السنة، يوم فُرِض على الكبار تحويل مسار رالي باريس دكار، لهي مسألة تزداد تعقيدا مع تغلغل كل من المد الشيعي والمد السلفي الجهادي بالمنطقة، إن مستقبل هذا التغلغل وعمق تأثيره سيقلب الكثير في لعبة تحرك خيوطها أجندات متقلبة الهوى والمآرب، حيث تحتاج الاستثمارات العارية والكبيرة إلى رأي علمي محايد لتقييم معدلات النجاح من معدلات الفشل أو الخسارة.
بعدما ولدت أزمة المغرب مع جزائر بومدين في سياق الحرب الباردة ونعرة الناصرية، يواجه المغرب اليوم نظاما عسكريا تقف خلفه إيران وموسكو، حلفاء نظام الأسد الذين لا قيود وقفت أمام خططهم ومخططاتهم هناك. ومع اقتراب اقتصاد الجزائر من حافة الانهيار، ستفتح المنطقة على فوهة بركان لن يكلف الاستعداد الجيد للتحكم في مخلفاته أقل مما تتطلبه حرب حقيقية، من تضحيات ومن دقة وتجرد في إجراء التحاليل، وعمليات تجريف لهامش المناورة.
إن تجربة حرب الخليج قد أثبتت بأن الفوز بالحروب شيء وجني ثمارها شيء ثان، كما أثبتت نتائج عملية انهيار الدولة بالعراق بعد تلك الحرب بأن مراعاة أبو ظبي والرياض لود واشنطن لم يكن في محله أثناءها، لأنه كان عليهم صرف الكثير من الأموال للتحكم في عملية تفكك دولة العراق الذي جرى أمام بيوتهم، بحيث كانوا سيربحون الكثير مقابل مخاطرتهم بالكثير وصرفهم للكثير من الأموال، بشرط أن يكون العمل قد انطلق في الوقت المناسب وبالشكل المناسب.
ترسم الخطة الواحدة في مختبرات الجيوبوليتيك بعدة أبعاد لتفاجئ نتيجتها كل من يخطط ببعد واحد، وكل خطة لا تجتهد في التوفيق والالتواء داخل مسارات متشابكة، هي خطة لن تجني بحال من الأحوال مثل ما تجنيه الخطة متعددة الأبعاد والملتوية الأهداف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى