فسحة الصيف

قصة غرق لاعب المنتخب المغربي درويش في مسبح فندق بدكار

وفيات لفها الغموض

حسن البصري

رغم مرور سنوات طويلة على رحيله، مازال الغموض يلف حكاية وفاة مصطفى درويش، اللاعب الدولي السابق، ومهاجم الرجاء البيضاوي منتصف السبعينيات والجيش الملكي بداية الثمانينيات، والذي شاءت الأقدار أن يلقى حتفه في مسبح فندق بداكار.
في الثاني من نونبر سنة 1981، أجرى المنتخب المغربي لكرة القدم، تحت قيادة المدرب البرازيلي فلانتي، مباراة ودية إعدادية أمام نظيره السينغالي بملعب الصداقة بداكار، في إطار التحضير لإقصائيات كأس العالم بإسبانيا.
انتهت المباراة بفوز السينغاليين بهدفين بلا رد، دون أن يكون للنتيجة أي تأثير على الجو السائد بين عناصر الفريق الوطني التي تعاملت مع المباراة بوصفها محطة إعدادية ليس إلا، واعتبرتها استعدادا حقيقيا لمباراة الكاميرون.
عاد اللاعبون إلى فندق “رافل” وسط العاصمة دكار مباشرة بعد المباراة، وعقب الاسترخاء من عناء مواجهة حارقة، فضلت مجموعة من اللاعبين مغادرة الفندق لاقتناء بعض المشتريات من المحلات التجارية القريبة من مقر إقامة المنتخب، وبعد أن تناول الجميع وجبة العشاء، ظل اللاعبون في غرفهم كل جماعة تتسامر في ما بينها وأغلب محاور النقاش تتناول بالتحليل وقائع المباراة. بل إن ضحكات اللاعبين كانت تخترق صمت الفضاء الهادئ، وحين تجاوزت عقارب الساعة منتصف الليل بدأ اللاعبون يلتحقون بغرفهم.
في حدود الساعة الثانية صباحا استفاق الوفد المغربي على خبر وفاة اللاعب الدولي مصطفى درويش، بعد أن اكتشف مستخدمو الفندق جثته وهي تطفو فوق مياه مسبح الإقامة السياحية وعليها بقع من الدم، لم يصدق أحد مشهد لاعب كان قبل ساعة واحدة كتلة من الحماس. تعددت الروايات حول لغز الوفاة وانتظر اللاعبون وأفراد الطاقمين التقني والطبي نتيجة تشريح الجثة، بعد أن أخبرت إدارة الفندق السلطات الأمنية بدكار قصد معاينة المشهد التراجيدي.
كان جميع اللاعبين في حالة ذهول، وهم يتحلقون حول جثة زميلهم الهامدة، استبعد رفاقه فرضية الغرق في مسبح الفندق، أو حكاية السباحة في الساعات الأولى من الصباح، بل إن رجال الشرطة الذين حضروا إلى الفندق من أجل معاينة الحادث المأساوي ظلت الحيرة ترافق تحرياتهم، خاصة حين علموا، من خلال شهادات اللاعبين، أن زميلهم يجيد السباحة.
يحكي عبد الحق درويش، شقيق الفقيد واللاعب السابق للرجاء البيضاوي، ما تبقى في الذاكرة من أحداث مرتبطة بهذه الفاجعة وهو يرسل زفرات الحسرة: “توصلنا بالخبر في صباح اليوم الموالي، لكننا لم نصدق الوفاة لأننا نعرف أن مصطفى لا يمكن أن يغرق في مسبح وهو الذي يجيد السباحة، اعتبرنا الخبر مجرد إشاعة، لكن في النشرة الرياضية الإذاعية تأكد خبر الوفاة، على الفور اتصلت بعائلات بعض اللاعبين الذين كانوا يرافقون المنتخب في رحلة السينغال، لكن الغموض ظل حاضرا، وفي اليوم الموالي توجهت إلى المطار لمعرفة ما حصل وفي لحظة وصول أفراد المنتخب الوطني، احتضنني ظلمي وجواد وشيشا وبعض اللاعبين البيضاويين الذين يعرفون أنني شقيق المرحوم وقدموا إلي العزاء، دون أن أصدق أن مصطفى قد مات”.
عاد لاعبو المنتخب الوطني المغربي، أما الجثة فقد ظلت في دكار تنتظر إجراءات التشريح، بل إن الطاقم الطبي للمنتخب فضل، أمام استغراب أفراد عائلة درويش، العودة إلى المغرب في أول رحلة بدل ملازمة جثة الفقيد في المستشفى المركزي للعاصمة السينغالية، وتتبع الإجراءات الطبية في عين المكان.
بعد عشرة أيام تم شحن جثمان الفقيد صوب المغرب، كان في انتظاره بالمطار أفراد العائلة المكلومة، ودورية للدرك الملكي قررت نقل الجثمان إلى مقر القيادة بمنطقة 2 مارس بالدار البيضاء، في انتظار تعليمات حول موعد ومكان الدفن من القيادة العليا بالرباط، لأن اللاعب كان ينتمي لسلك الدرك الملكي.
“قررت إدارة الدرك دفن شقيقي عشية اليوم بأقصى سرعة، لكننا طلبنا تأجيل الدفن إلى اليوم الموالي بعد صلاة الظهر بمقبرة الشهداء بالدار البيضاء، استجاب المسؤولون لمقترح العائلة بعد سلسلة من الاتصالات مع القيادة العليا، وفي اليوم الموالي تحول منزلنا بحي درب الكبير إلى مزار لآلاف الرياضيين ومئات المخبرين، بل إنه لم يسمح لنا بفتح النعش وإلقاء النظرة الأخيرة عليه”.
ظل والد الفقيد يشد الرحال كل صباح صوب القيادة العامة للدرك الملكي وإدارة نادي الجيش الملكي بحثا عن معلومات حول الوفاة الغامضة دون جدوى، قبل أن يعود ذات مساء إلى بيته محملا بما تبقى من ملابس وحاجيات الفقيد، أما الأم فاكتفت بالبكاء على ابن عاش مغتربا ومات مغتربا. لقد مات مصطفى، دون أن تستفيد أسرة الفقيد من أي امتياز، رغم أن الراحل مات مدافعا عن الوطن، وهو ينتمي لسلك الدرك وللمنتخب.
للإشارة فقد كان مصطفى لاعبا للرجاء البيضاوي حيث شارك في نهائي كأس العرش مع الفريق الأخضر عام 1978، كما ساهم في تألق الجيش الملكي في مطلع الثمانينات وبصم على موسم استثنائي مع العساكر، إلى جانب إدريس وديش وعزيز العامري، كما تألق في المعسكرات التي دخلها المنتخب الوطني، بل وكان يعد جناحا واعدا للفريق الوطني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى