الرأي

قصة من زمن «السلك»

يونس جنوحي
الملاحظ أنه في السنوات الأخيرة تكاثرت مكاتب الدراسات والأبحاث في الخارج، المهتمة بالسوق المغربية. إذ إن بعض الشركات العملاقة في الطاقات المتجددة والخدمات بدأت تطلب دراسات للسوق، تفوضها لهذه الشركات متعددة الجنسيات، وتكون منطقة شمال إفريقيا موضوعا لهذه الدراسات.
لكن المثير أن أغلب هذه الدراسات، التي أجريت ما بين سنة 2015 واليوم، كلها رجحت كفة المغرب لإطلاق مشاريع تهم شركات الخدمات الإلكترونية والاتصالات، وفشلت تونس والجزائر في استقبالها. حتى أن أكبر مشروع لتسويق المنتجات العلاجية والطبيعية، والذي يوجد مقره في فرنسا، يعتمد الرباط مقرا لتسيير مكاتبه في المغرب وتونس والجزائر. وهو ما أزعج الجزائريين، الذين لا يستطيعون بطبيعة الحال اتخاذ قرار إغلاق فرع شركة اقتصادية ضخمة توظف آلاف الشباب الجزائريين. وهؤلاء الموظفون الجزائريون اليوم يتلقون التعليمات، ويعقدون الاجتماعات مع مدرائهم في الرباط وليس في باريس. حتى أن الخوادم الرئيسية لنظام التشغيل العملاق الذي يكلف ملايين الأورو، توجد في الرباط.
وأول أمس أطلقت شركة كندية متخصصة في دراسات السوق، دراسة استهدفت المقاولين والمهندسين المغاربة لتحديد حاجة السوق المغربية في مجال الخدمات والتسويق، وأعلنت أنها مرت إلى المرحلة الثالثة للدراسة، حيث وقع الاختيار على المغرب واستبعد أن يتم إطلاق المشروع في الجزائر أو تونس، نظرا للصعوبات المرتبطة بعدم الاستقرار السياسي، وتأخر سن القوانين التي تنظم هذا النوع من الاستثمار.
وشكك صحافيون من الجزائر في مشروع خط الطاقة الكهربائية، الذي سيربط المغرب ببريطانيا ويزود إحدى مناطقها بالطاقة، لكنهم تلقوا رصاصة الرحمة عندما خرجت بلاغات رسمية، تؤكد اعتماد المشروع فعلا مع المغرب.
يحدث هذا في وقت لا يزال النظام الجزائري يعتمد أنابيب الغاز، والتي لا تشتغل وفق أي تكنولوجيا متطورة، ويهدد بقطع تلك التي تمر عبر التراب المغربي إلى دول أخرى.
في مدينة طنجة سنة 1887، كانت شركة بريطانية قد اقترحت مد المغرب بخطوط الهاتف، وعارضت فرنسا دخول شركة بريطانية لهذه السوق. وقدمت فرنسا مرافعة في الموضوع استدلت فيها بالجزائر، وقالت إنها رغم وجودها في الجزائر منذ سنة 1830، إلا أنها لم تستثمر بعد في قطاع الاتصالات، وفضلت أن تبقى خطوط الهواتف قليلة جدا، وفي يد الإدارات الأمنية فقط.
لكن الشركة البريطانية وقتها كانت ترى في السوق المغربية، منذ ذلك الوقت، فرصة كبيرة للاستثمار في قطاع الاتصالات، وتوفير خطوط هواتف بين المدن المغربية، قبل حتى أن يتم تشييد الطرق. وطبعا تلك الخطوط كانت لتوفر أيضا خدمة التلغرام السريع لنقل الرسائل.
قد يكذب محامو نظرية المؤامرة في الجزائر هذه الأيام الحقيقة التاريخية التي تتوفر وثائق بشأنها، لكن إلى متى يكتفي أنصار الجنرالات بتكذيب كل ما يصدر عن الاتفاقيات مع المغرب؟
بالعودة إلى موضوع مشروع تعميم الهواتف البريطانية في المغرب، قبل أزيد من 130 سنة، فإن الدراسة التي أعدتها الشركة البريطانية كانت تقوم على إحصاء مقر واحد في كل منطقة مغربية، لكي يوضع به هاتف يكون في عهدة ممثل للسلطة، فيما بالمدن يتم مد خط الهاتف لكل من يستطيع أداء تكاليفه، سواء كان المستفيدون مواطنين عاديين، أو أصحاب الشركات ومدراء الإدارات.
رفضت فرنسا السماح لبريطانيا بإطلاق المشروع، وما حدث لاحقا أن تعميم الخط الهاتفي في المغرب صار من مهام الجيش الفرنسي، الذي كان يوصل «السلك» إلى كل ثكنة عسكرية تشيد بالمغرب. واستغرق الأمر نصف قرن لكي يفهم الذين عاشوا تلك الكواليس، لماذا لم تُرد فرنسا أن تستثمر بريطانيا في خط الهاتف. وها نحن نرى اليوم كيف أن المغرب وبريطانيا يعملان على مد خط التيار الكهربائي تحت البحر، فيما جيراننا لا يزالون حائرين في موضوع قطع أنبوب الغاز، الذي يمر أصلا فوق التراب المغربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى