الرأي

لم يتغير أي شيء..

يونس جنوحي

بسرعة غاب نقاش تقنين زراعة القنب الهندي، ولم ترافقه أي أنشطة سياسية من الأحزاب، التي أقامت الدنيا ولم تقعدها أيام عرض مشروع القانون المتعلق بالموضوع. هذه هي السياسة في نهاية المطاف، حرب مصالح لا غير. ولا أحد اهتم بآلاف الأسر التي سوف يمسها هذا القانون بشكل مباشر، وبالتأكيد سوف يغير حياة الفلاحين الصغار الذين عانوا لعقود طويلة من غياب التأطير القانوني الواضح لتلك الزراعة. إذ كانوا يتلقون وعودا من السياسيين بالسماح لهم بزراعة نبتة الكيف، مقابل التصويت عليهم في الانتخابات. لكنهم يجدون القانون صارما معهم بعد جني المحصول، ويكون من السهل اعتقال «دوار» بأكمله، لأن منازل الفلاحين تخزن موادا ممنوعة يجرمها القانون.
تم استغلال مشروع القانون سياسيا أكثر من المتوقع، إذ حاول الإسلاميون تصويره على أنه هدم لأخلاق المغاربة، ونسوا أن حكومة الإسلاميين نفسها تعتمد بالأساس على عائدات الخمور والضرائب على السجائر لإنعاش الخزينة، ولم تتوقف الحكومة طوال ولايتين عن رفع الضرائب المترتبة عن الخمور والسجائر وألعاب القمار، وهي كلها قطاعات بنى حزب العدالة والتنمية شعبيته، قرابة عقدين، على محاربتها والتنديد بها. لكن عندما تعلق الأمر بمشروع قانون قد يغير حياة صغار الفلاحين وينقذهم من العلاقة مع أباطرة المخدرات، ويحول منتوجهم الزراعي إلى الاستغلال الطبي والصناعي، أظهر الحزب «كارت» الأخلاق والقيم.
لقد كان المغاربة متنورين في السابق، قبل أن تفلح موجة التجهيل والأفكار المتعصبة في تشويه التسامح المغربي. والدليل أن منطقة الشمال التي توجه منها شباب في عمر الزهور للالتحاق بـ«داعش» منذ ظهور التنظيم، كانت في السابق مثالا على التسامح الديني، حيث ألف سكان مدينتي طنجة وتطوان وجود جاليات أوروبية عاشت بين المسلمين، حتى أن قدماء سكان الشمال يعرفون أعياد وتقاليد الإسبان العريقة أحسن من أبناء إسبانيا اليوم.
في سنة 1950 جاء مواطن أمريكي اسمه «توني غريتمان»، رفقة زوجته اليونانية إلى مدينة تطوان، في إطار جولة سياحية خططا أن تستغرق شهرا فقط، يتجولان خلاله في منطقة الشمال. لكن تلك الرحلة تحولت إلى إقامة تجاوزت 15 سنة، تحولا خلالها بين تطوان وطنجة وقرى بنواحي وزان.
إذ إن الزوج الذي درس السوسيولوجيا، وجد في القرى الصغيرة التي كانت تجاور البحر الأبيض المتوسط مادة للدراسة التي كان يعمل عليها، ووجد أن هناك تسامحا كبيرا بين المغاربة المسلمين والإسبان، رغم أنه قرأ كثيرا عن حرب الريف واستعمال الجيش الإسباني للغازات السامة لاستعمار شمال المغرب.
وهذا الرجل الأمريكي كتب في مقال نشره سنة 1964 في مجلة دورية متخصصة في علم الاجتماع، نقتبس منه هذه الإشارة الذكية: «تنتشر زراعة القنب الهندي الذي يستعمل في التدخين، حيث يحظى بشعبية كبيرة جدا وسط القرويين. لكنهم يبيعونه بأثمنة زهيدة جدا، بحيث لا يكفي محصولهم السنوي منه حتى لسد رمق جوع أبنائهم خلال سنوات الجفاف».
ما كان اسم هذا الباحث في علم الاجتماع ليُعرف، لولا أنه توفي سنة 2005، ودخلت زوجته اليونانية عصر الإنترنت، وحاولت التعريف بزوجها قليلا، بعد أن نسخت بعض مقالاته التي كان يرسلها إلى الدوريات العلمية من المغرب، خلال منتصف ستينيات القرن الماضي، قبل أن يعودا إلى الولايات المتحدة.
المثير أنها زارت المغرب سنة 2007، وحاولت الوصول إلى الأماكن التي استقرت بها مع زوجها، ووجدت صغار الفلاحين لا يزالون يعيشون الوضع نفسه، بل ازدادت حياتهم سوءا. ونشرت صورة لها مع حقل من حقول القنب الهندي في مدونتها الشخصية، التي توقفت عن النشر بها سنة 2012، وكتبت تحت الصورة عبارة جديرة بالتأمل: «لا يزال الوضع في هذه القرية الصغيرة على حاله. كنا هنا قبل أربع وأربعين سنة ولم يتغير أي شيء».
نأمل مستقبلا أن يغير قانون زراعة القنب الهندي مستقبل مئات القرى والمداشر المنسية، وأن يقتني محصولهم من يستطيعون تحويله إلى أدوية ومواد صناعية، بدل أن يتبخر دخانا في الهواء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى