الرأي

هذا المساء

جهاد بريكي

هذا المساء يكاد قلبي ينفجر، لا أعاني من أي أمراض وراثية أو نفسية، لا مشاكل محددة تؤرقني ولا عوائق تحول بيني وبين السعادة، كل ما أعانيه أن قلبي ممتلئ. تخمة المشاعر تجعلني ككرة نفخت أكثر من اللازم تكاد تنفجر إذا ما حركها نسيم الصباح، كلما راودني هذا الإحساس بالتخمة، هرعت إلى البحر.
هذا المساء الجو مفعم بالثقة، الأمطار قاومت رغبتها في السقوط وسمحت لغمام متحد باحتلال السماء. ولم يكن الغمام أقل كرما من الأمطار، هو أيضا قبل مُلتمس الشمس بنشر خيوط ذهبية رقيقة من خلاله. فكان المنظر لوحة جميلة لنا. أنظر للسماء كل يوم، صباح مساء وأسألها كيف لا تملين من تعاستنا!؟ تتزينين كل يوم كعروس متحمسة، لا عمل لها سوى تدليل شهية زوجها الكئيب، بالنجوم والسحب، تغيرين ألوانك صباح مساء، وبعد مطر عاصف تدلليننا بتماوج ألوان ساحر في هيئة قوس يحضننا جميعا بحنو بالغ. نقية وصافية لا يطل كشيء من الكدر الذي تحتك. ونحن نبخل عليك برفع بصرنا نحوك، نفضل التدقيق في شحوب وجوهنا بدل اختلاس نظرات خفيفة نحوك والانصهار في جمالك.
هذا المساء، البحر منتفض والموج يتلاطم فوق صخور كبيرة قاسية الشكل، متماسكة الصفوف، أراقب الموج فأراني، مشتتة، غاضبة، تحاول إلحاق الأذى بدون سبب، هجومها المتواصل، وجنونها الذي يدفعها لابتلاع أي معترض لطريقها. ثم تصل للصخرة الأكبر صاحبة العلو الشاهق، لتتفكك وتندثر وتنتهي ولا يبقى منها شيء سوى رذاذ يسقط على وجهي فيوقظني من سهوي وعلى قلبي فيذكره بأحلامه البائدة.
هذا المساء، أنا بلباسي الرياضي الذي لم أمارس به الرياضة يوما، أرتديه فقط لإرضاء ضميري، أخرج من البيت فيظن الناظر إلي أني امرأة حيوية اختارت أن تقضي بقية يومها تهتم بصحتها وتهرول بجانب البحر كما تفعل زوجات مديري المصالح العمومية وأصحاب شركات التبغ والغاز. لكني في حقيقة الأمر أحمل من التعب ما لا أجد له مبررا على الإطلاق، وفي جعبتي كسل لو وزع بالتساوي على سكان الأرض لما قام أحد من مكانه. أحيانا أحس بأن عجوزا تسكنني عاشت كل الحروب وكل الانتصارات وعايشت كل الملوك وكل الرؤساء ورقصت مع جميع الرجال وصادقت جميع النساء وتزوجت جميع الحمقى والمعقدين، لكنها عجوز متصابية، لا زالت تتعلق بالقش لتتجنب الغرق.

هذا المساء أحمل قهوة ساخنة وحلوى لوز أتمنى من قلبي أن لا يكون مرا كحياة فتاة مغرمة بناشط حقوقي يعتبر نفسه محور الكون ومحرر العبيد، وحتى لا أضطر للعن الحلواني وأتوعد بعدم اقترابي من محله مرة أخرى، ثم أعود. أجلس عند طرف صخرة كبيرة منبسطة، نخرها الماء من كل جانب، ثقوبها الصغيرة تخبرني أن حروبا ضارية شنت هنا، بينها وبين المطر والموج، تكالب عليها الماء من كل جانب، فتماسكت هي وقاتلت بعزم وشموخ، والآن تجلس مشوهة تنتظر هجوما جديدا على أمل أن لا يحطمها الماء لصخور صغيرة يتقاذفها الصبية والسكارى. أضحك منها: كيف يهزمك الماء!؟ وأنت صخرة ضخمة صماء!؟ فتجيبني: تماما كما هزمك الحنين وأنت امرأة ناضجة متغطرسة. فأوقف هذه المحادثة المستفزة وأتوجه بنظري نحو الأفق.
هذا المساء، أرى السماء ترخي أطرافها فتغمسها في عرض المحيط، يلتقيان عند النهاية، فيصير من الصعب علي تحديد السماء من الماء، كأنهما يتفقان فيلتحمان فيغلقان الأفق في وجهي، أتمنى لو أن يدا ضخمة تحملني وترمي بي نحو هذا الأفق البعيد السعيد لأرى ماذا يحصل هناك، ومن هناك!؟ أمنياتي كالعادة مجرد هلوسات وأحلام طفلة خائفة من قط الجيران. الألوان في الأفق محيرة ومدهشة، وردية هي أم أقحوانية أم برتقالية، أم كل ذلك. أراقب الألوان التي تحاول إخباري أن الشمس أنهت دوامها، وهي على وشك المغادرة، فيتبادر في ذهني سؤال محوري جاد جدا، ترى كيف سأبدو إذا ما ارتديت فستانا بهذه الألوان كلها مجتمعة!؟ لا شك أن السماء ستغار مني!؟ والشمس سيذهلها بريقي!؟ والقمر سيصر على مرافقتي!؟ نحن النساء نستمتع بشعور الغيرة الذي نوقده في قلوب الناس والأشياء، يمنحنا اعترافا ضمنيا بأننا فوق الوصف، نستحق الاهتمام والتقدير.
هذا المساء، رجل ستيني يجلس في سيارة فاخرة تثير انتباهي، أنظر إليها قليلا لأعرف نوعها وعلامتها، فتصطدم عيني بعيني صاحبها. عينان شبقيتان تغمزان لي باشتهاء كأني لحم نيئ مرمي على الطريق. ممتلئ كطفل لا يشبع من ثدي أمه، بوجه مبهم، لا يمكن أن تعرف إن كان سعيدا أم بئيسا، ويداه الصغيرتان كيدي طفل تلوحان لي أن تعالي، أشيح ببصري حتى لا تفهم نظراتي بشكل خاطئ. فأشعر بأن نظراته لا تزال ملتصقة بي، تحاول اختراقي واكتساح أعماقي. لا ألتفت، أسمع صوتا يتكلم بشكل خافت، يدعوني إلى الصعود، يحاول إثارة انتباهي بكحة مفتعلة. ولا ألتفت، أتصرف بشكل طبيعي كأني وحدي في المكان، ثم يهمس مرة أخرى بصوت أعلى قليلا، ولا ألتفت. تهاجمني أسئلتي السخيفة مرة أخرى، كيف يجرؤ رجل بعمر يفوق عمر والدي على مضايقتي!؟ ولمَ يعتقد أن بإمكانه فعل ذلك دون أدنى خوف من العواقب!؟ كيف تمكن من إزعاج خلوتي في هذا المكان الهادئ، ألا يحق لي أن أتأمل بسلام دون مضايقة!؟ أكتشف حينها أن جلستي التأملية بلغت نهايتها، ولم يعد لي مزاج لملء رئتي بهواء البحر ولا عقلي بسكينته. أريد الانصراف، أدير رأسي نحو غريمي المسن المتهدم، فأرى العجز والخرف والمرض وسنوات طويلة من الحرمان. فأشفق لحاله. أقوم من مكاني وبخطوات ثابتة أتوجه نحوه وأخبره بسكون ولطف الأم التي تسكنني، أن دار العجزة لا تتواجد في هذا المكان، فلقد أخطأ العنوان. أتركه يغلي ويعربد وأمضي مسرعة، وفي قلبي تشتعل نشوة نجاحي في مضايقته وخوفي من ردة فعله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى