الرأي

هل يعيش الناتو موتا سريريا؟

عبد الباري عطوان
تصريحان خطيران يتنبأ كل منهما بمستقبل قاتم لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، والسبب التدخل التركي في سوريا، وسحب القوات الأمريكية من بعض نقاط المراقبة في شمالها، وظهور الصين كقوة عظمى من الممكن أن تحل محل الولايات المتحدة في غضون سنوات معدودة. التصريح الأول جاء على لسان إيمانويل ماكرون، الرئيس الفرنسي، في مقابلة نادرة مع مجلة «الإيكونوميست» العريقة، قال فيها: «إن حلف الناتو يعيش حاليا حالة موت دماغي سريري، ولم يعد قادرا على السيطرة وضبط أعضائه».
أما التصريح الثاني الذي لا يقل سوداوية فورد على لسان مايك بومبيو، وزير الخارجية الأمريكي، أثناء مشاركته في ذكرى مرور 30 عاما على سقوط سور برلين، وانهيار الاتحاد السوفياتي وكتلته الاشتراكية، عندما قال: «حلف الناتو عفا عليه الزمن، ويواجه الانقراض، ولا بد من مشاركة أوربية جدية في تحمل عبء تمويل الحلف ونفقاته العسكرية».
انهيار المشروع الأمريكي الأوربي، وتفاقم الخلافات بين أعضاء حلف الناتو حول التدخل العسكري التركي الأخير في شمال تركيا، بين مؤيد ومعارض، وإقدام الرئيس رجب طيب أردوغان على شراء منظومات صواريخ دفاعية روسية «إس 400» تتعارض مع منظومات التسليح الأوربية الأمريكية، ودون أي اعتبار لرفض قيادة الحلف، كلها عوامل أدت إلى حالة الفوضى الراهنة التي ربما تعجل بانفراط هذا الحلف على غرار ما حدث مع نظيره حلف «وارسو»، ولا نعتقد أن قمة حلف شمال الأطلسي التي ستعقد في لندن، أوائل دجنبر المقبل ستمنع هذا الانهيار.
وصول الرئيس دونالد ترامب إلى قمة القرار في واشنطن، وتعاطيه المتعجرف مع شُركاء بلاده الأوربيين، وابتعاده كليا عنهم لمصلحة التركيز على منطقة شرق آسيا تجاريا واستراتيجيا، هو الذي يقف خلف التوجه الجديد المقترح من قبل الرئيس ماكرون بإقامة شراكة استراتيجية مع روسيا، ونظام دفاعي أوروبي مستقل عن الولايات المتحدة. حلف الناتو واجه أزمات خطيرة مماثلة هددت وحدته وتماسكه في الماضي، ومن المفارقة أن تركيا كانت وراء أبرزها، أثناء غزو قواتها لقبرص عام 1974 وتقسيمها وإنشاء دولة قبرص التركية، الأمر الذي دفع الولايات المتحدة إلى فرض حظر على بيع الأسلحة لها استمر ثلاث سنوات، وهو ما تفعله حاليا كل من ألمانيا وفرنسا احتجاجا على اجتياح قواتها لشمال سوريا ومحاولة إقامة منطقة آمنة فيها بعمق ثلاثين كيلومتر وطول 500 كيلومتر لتحييد الخطر الإرهابي الكردي، وإبعاده عن الحدود مثلما تقول الأدبيات التركية. السؤال الذي طرحه الرئيس ماكرون في المقابلة نفسها وتساءل فيه: «ماذا سيحل بالمادة الخامسة من ميثاق حلف الناتو، إذا قرر الرئيس بشار الأسد الرد على هذا التدخل العسكري التركي بالأسلوبِ نفسه، فهل سيقف حلف الناتو في خندق تركيا العضو فيه في هذه الحالة تطبيقا للمادة نفسها؟». الرئيس ماكرون لم يجب عن هذا السؤال لأنه يعرف جيدا أن الحلف الذي خذل تركيا، ولم يهرع لنجدتها عندما كانت على حافة المواجهة العسكرية مع موسكو، عندما أسقطت إحدى طائراتها قرب الحدود السورية عام 2015، مما اضطر الرئيس أردوغان إلى الذهاب إلى الرئيس بوتين معتذرا، وموقعا اتفاقا عسكريا معه لشراء منظومة الصواريخ المذكورة آنفا، وإنشاء خط أنابيب «ترك ستريم» للغاز، وزيادة التبادل التجاري بين البلدين إلى أكثر من 100 مليار دولار، مديرا ظهره كليا للحلف الذي كانت بلاده أحد أبرز مؤسسيه، ومهددا بإرسال مِئات الآلاف من اللاجئين السوريين وغيرهم إلى أوربا.
أزمة حلف «الناتو» ستتفاقم حتما، والانهيار هو الاحتمال شبه المؤكد في نهاية المطاف، وانضمام دولتين فقط عضوين فيه إلى التحالف البحري الذي دعت إليه الولايات المتحدة لحماية الملاحة في الخليج، (بريطانيا وأستراليا) أحد أبرز الأدلة في هذا الصدد. باختصار شديد يمكن القول إنها اللعنة المزدوجة السورية الليبية التي تطارد هذا الحلف الاستعماري، وتبذر بذور انهياره التي تنمو بسرعة غير مسبوقة، ولا أسف عليه في جميع الأحوال لأن تاريخه حافل بسفك الدماء العربية والإسلامية، سواء في العراق وأفغانستان، أو في سوريا وليبيا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى