الرأيكتاب الرأي

‎وزراء أشباح

‎حسن البصري

‎سألني والدي بتلقائيته المعهودة وهو يتابع نشرة الأخبار: «فين مشاو لوزارا لخرين؟»، وكأن لسان حاله يقول إن الوضع الراهن لا يحتاج إلا لأربعة وزراء، وأن جهود التضامن الوطني تفرض توفير رواتبهم وسياراتهم وامتيازاتهم لمواجهة جائحة تضرب البلاد والعباد.
‎حاولت استفزاز والدي حين ذكرته بأن وزراءنا بادروا إلى المساهمة في صندوق مواجهة آثار فيروس كورونا، وتبرعوا براتب شهر كامل، تعبيرا منهم عن تجندهم لمكافحة هذا الوباء. فجدد السؤال عن حجم رواتبهم وعن صمت عبد الإله بنكيران وعدم تفاعله مع نداء ملك ذكر فيه الميسورين بواجبهم تجاه البسطاء في المحن، جددت الاستفزاز وقلت له إن الالتزام بالحجز الصحي وتطبيق قرار «الزم بيتك» هو في حد ذاته مساهمة في التصدي للوباء، وقبل أن أنهي مرافعتي أدار ظهره وشرع في البحث عن كيس دوائه اليومي.
‎يبدو أن سؤال والدي أغضب والدتي التي طلبت منه الابتعاد عن السياسة والاهتمام بضوابط الحجز الصحي، واحترام مواعد تناول دوائه، لكنه، في حقيقة الأمر، أعاد إلى الأذهان وزراء حملتهم ريح الأحزاب إلى حكومة سعد الدين العثماني، لكنهم لا يهشون ولا ينشون، وحين حل الوباء كشف عن ضيق دائرة تحركهم، وتبين أن الكثير منهم كانوا يمارسون العزل الوزاري في مساكنهم حيث تصلهم القرارات والمراسلات الأحوج إلى جرة القلم.
‎لا حاجة للعودة إلى التعيينات التي تحكم فيها «منطق» الإرضاء الحزبي والأسري، ولا داعي للتذكير بأن كل واحد من هؤلاء الحاضرين الغائبين يستنزف ميزانية لأجره وتنقلاته هو وأعضاء ديوانه، وباقي الامتيازات المخولة له، في الوقت الذي لا نجد لهم أثرا في السياسة العمومية، وكأنهم خارج التغطية. لا داعي للنبش في سيرتهم وهم يعيشون إجازة مدفوعة الأجر، وضرب كف بكف على المال السائب، لأن البكاء على «الحي» أضحى اليوم خسارة أيضا.
‎ماذا يفعل وزراؤنا في ظل اقتصار الدولة على خمسة أفراد في غرفة قيادة الأزمة، والباقي يتابع كأيها الناس نشرات كورونا ويوزع عبر جواله مقاطع مضحكة لتخفيف ما نزل، أو بكتابة تدوينات تحشد العزائم.
‎عندما هاجم عبد اللطيف وهبي، أمين حزب الأصالة والمعاصرة، المصطفى الرميد، وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان، واصفا إياه بالوزير «الشبح» الذي يتقاضى أجرة شهرية، بدون موجب حق، لأنه كان يرفض المشاركة في اجتماعات المجلس الحكومي، منذ أزيد من شهر، دون عذر مقبول، خرجت كتائب من ثكناتها لتدافع عن وزير وضع رئيس الحكومة في موقف يحسد عليه.
‎ما دور وزيرة السياحة والصناعة التقليدية والنقل الجوي والاقتصاد الاجتماعي في ظل شلل قطاعاتها؟ وهل سنختزل دور وزير الطاقة والمعادن والبيئة في توفير البوطا غاز في الأسواق؟
‎أما الوزيرة المنتدبة لدى وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، المكلفة بالمغاربة المقيمين بالخارج، فعاشت بدون مهام قبل أن يزورنا الوباء، تحولت إلى وزيرة شبح بعد أن سحبت مديرية الهجرة البساط من تحت قدميها، فتحولت وزارة الوافي إلى وزارة بروتوكولية تشتغل مرحليا مع بعض مؤسسات المجتمع المدني فقط، وتحصي ضحايا كورونا في ربوع العالم كمحافظي المقابر.
‎ الوضع نفسه عاشه الوزير المنتدب لدى وزير التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، المكلف بالتعليم العالي والبحث العلمي، قبل زمن كورونا، فقد حوكم بالعزل الوزاري بعد أن ضيق عليه وزير التربية الوطنية مساحات التحرك فأضحى وزيرا شبحا.
‎أيها الوزراء لا تبرحوا بيوتكم.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
Al akhbar Press sur android
إغلاق