
ليست التساقطات المطرية الغزيرة وحالات الطقس الاستثنائية وحدها السبب في الفيضانات والخسائر البشرية والمادية، فالعشوائية في التعمير وهشاشة البنيات التحتية، والفساد المتعلق بالتجزئات السكنية وعوامل أخرى متعددة، تعتبر من أبرز أسباب الفيضانات التي تغرق الأحياء بالمدن وتحول الشوارع إلى وديان جارفة، وهو ما عانت منه عدة مناطق بالمملكة وضمنها مدن بجهة طنجة تطوان الحسيمة.
تطوان: حسن الخضراوي
خلفت الفيضانات، التي ضربت إقليمي تطوان والمضيق، بجهة الشمال، خسائر بشرية تمثلت في مصرع خمسة أشخاص، إثر انجراف السيارة التي كانت تقلهم بفعل ارتفاع منسوب مياه واد بدار الشاوي ضواحي تطوان، فضلا عن خسائر مادية جسيمة، تمثلت في ضياع أثاث العديد من المنازل وغرق سيارات في مياه الأمطار، وتسرب المياه لمشاريع خاصة مع ما خلفه ذلك من خسائر مالية، إلى جانب خسائر في الممتلكات العمومية والطرق قدرت بالملايير.
وعرت الفيضانات بتطوان والمضيق عن تراكمات عشوائية التعمير، وانتشار رخص البناء الانفرادية، والبناء بمجاري الوديان وغياب الدراسات التقنية الخاصة بالمناطق الصالحة للبناء، فضلا عن معضلة البناء العشوائي فوق ملك الغير وطمر البحيرات للبناء فوقها بشكل خطير كما هو الشأن بالنسبة لحي الديزة بمرتيل.
وعلى الرغم من التقارير التي أعدتها لجان التفتيش التابعة لمصالح وزارة الداخلية، في ملف البناء بمحارم الوديان، وتوقيع رؤساء جماعات ترابية لتراخيص البناء الانفرادية وانتشار البناء العشوائي، إلا أن الكل ينتظر مآل هذه التقارير في إطار تفعيل المبدأ الدستوري لربط المسؤولية بالمحاسبة، فضلا عن تخليق الحياة السياسية ومحاربة الفساد.
مشاريع بالملايير
مع انتشار العشوائية في التعمير وتزايد النقط السوداء المتعلقة بالفيضانات بمدن تطوان والمضيق، تدخلت وزارة الداخلية من أجل الإشراف على مشاريع للحماية من الفيضانات كلفت الملايير من المال العام، ومازالت تثير جدلا واسعا حول تسريعها واستكمال أشغالها وتعثر انطلاق أخرى، وضرورة توفير شروط السلامة والوقاية من الأخطار.
وعلى الرغم من تغطية وادي اغطاس بالمدار الحضري للفنيدق، إلا أن الأشغال الخاصة بالتهيئة لم يتم استكمالها بعد، خاصة تعبيد الطريق والتشوير، والعمل على توفير شروط السلامة، علما أن مطالب تنفيذ تهيئة وادي سمسة بتطوان مازالت متعثرة بسبب التمويل وغياب الدراسات التقنية الأولية، حيث سبق وطالب كاتب المجلس بتنفيذ المشروع المذكور للحماية من الفيضانات، وفك العزلة عن جميع السكان وتجويد الخدمات العمومية.
وحسب مصادر مطلعة، فإن المشاريع الخاصة بالحماية من الفيضانات بتطوان، وعلى الرغم من تنفيذ جزء منها، إلا أن مشاكل النقط السوداء مازالت مستمرة بأحياء هامشية وكذلك الأحياء الراقية وبالقرب من مؤسسات عمومية، على غرار المحكمة الابتدائية، وحي الولاية الذي تتواجد به العديد من المشاريع الكبرى والفنادق والمقاهي الراقية.
واستنادا إلى المصادر نفسها، فإن لوبيات التعمير والبناء العشوائي والتجزيء السري، بتطوان والمضيق، حققت مداخيل بالملايير من العشوائية، وذلك على حساب المال العام واستنزاف ميزانية الدولة في مشاريع الهيكلة والحماية من الفيضانات، وهاجس الحفاظ على السلم الاجتماعي والتجاوب مع الشكايات والاحتجاجات وفق السرعة والنجاعة المطلوبتين.
وأضافت المصادر عينها أن عمليات البناء بمساحات أرضية منخفضة ومجاري الوديان تمت، لسنوات طويلة، بتطوان والمضيق، وهو الشيء الذي يكشف عن تحكم لوبيات العقار وتلاعبها بالقرارات، وتداخل القرارات التقنية مع الاستغلال السياسي، حيث تحكم قطاع التعمير في صنع الأغلبيات الهشة لسنوات طويلة، في ظل قيادات حزبية تطاردها ملفات قضائية وتقارير خروقات بالجملة في تسيير الشأن العام المحلي.
النقط السوداء
على الرغم من صرف الملايير على مشاريع الحماية من الفيضانات بتطوان، إلا أنه سجل استمرار العديد من النقط السوداء وتضرر العديد من السكان بحي كويلمة وحي موكلاتة، وكذلك حي الولاية الراقي، وأحياء أخرى مثل جبل درسة الذي شهد تحول الأزقة إلى سيول جارفة.
وتسربت مياه الأمطار إلى العديد من المنازل بحي موكلاتة بتطوان، ما استدعى تحرك لجنة اليقظة التي قامت بإخلاء المنازل المهددة بالفيضانات وإيواء الأسر والأطفال بمركز محلي، حيث تم تقديم كافة المساعدات الغذائية والدعم النفسي للمتضررين، في انتظار تحسن أحوال الطقس وعودة الأسر إلى المنازل.
وحسب خبراء في مجال التعمير بالشمال، فإن مشكل النقط السوداء يتعلق باختلالات في تراخيص البناء والبناء العشوائي، فضلا عن عدم الأخذ بعين الاعتبار المتغيرات المناخية، والتضاريس الجبلية وخطر السيول الجارفة، ناهيك عن مشكل فيضان وادي مرتيل وارتفاع منسوب مياهه بسبب تنفيس سد الشريف الإدريسي.
وذكر مستشار جماعي بتطوان أن مشكل الفيضانات والنقط السوداء، التي تؤرق العديد من سكان الأحياء بالجماعة، يجري التعامل معها من قبل لجنة اليقظة ومصالح الجماعة التي تقوم بمجهودات مضاعفة لتفادي الخسائر البشرية والمادية، والمجلس لا يمكنه تحمل مسؤولية تبعات الفشل السابق في التدبير وانتشار العشوائية.
وأضاف المتحدث نفسه أن الفيضانات، التي تضرب المدينة، ليس مصدرها السدود المجاورة للمدينة، التي يتم تنفيسها بشكل عادي، وإنما يرجع الأمر إلى التغيرات المناخية والطبيعة الجبلية للمنطقة، غير أن ذلك لا يمنع من الاعتراف بأن هناك مشاكل هشاشة البنيات التحتية والجماعة رصدت الملايير من أجل تجهيز البنيات التحتية والحماية من الفيضانات بتنسيق مع السلطات الإقليمية بتطوان.
مآل التقارير
قبيل الانتخابات البرلمانية، يتواصل الغموض بشأن زيارات لجان التفتيش التابعة لمصالح وزارة الداخلية، والتقارير التي أعدتها السلطات المختصة بتطوان، حول ملف تراخيص البناء الانفرادية والخروقات التعميرية، خاصة وشبهات تورط رؤساء جماعات ترابية وبرلمانيين في الخروقات والتجاوزات التعميرية.
وحسب مصادر مطلعة، فإن تراخيص البناء الانفرادية تسببت في فوضى التعمير بجماعة ترابية ساحلية، حيث مشاكل البناء بمجاري الوديان ومحارم الطرق، والتحقيقات التي وصلت محكمة جرائم الأموال، وشكاية في الموضوع بواد لو تم حفظها بسبب وفاة البرلماني المشتكى به في جائحة كورونا، ولها علاقة بخروقات تعميرية أدت إلى فيضانات خطيرة.
واستنادا إلى المصادر نفسها، فإن الغريب في الأمر هو استمرار العديد من القيادات الحزبية بالمركز في الدفاع في الكواليس عن عودة رؤساء جماعات ترابية وبرلمانيين إلى الواجهة خلال المحطة الانتخابية المقبلة، وذلك رغم تورطهم في ملفات لها علاقة بخروقات تعميرية وتراخيص بناء انفرادية رصدتها لجان التفتيش المحلية والمركزية، ووصلت حد مقاضاة عامل الإقليم المنتخبين المتورطين وإسقاط القضاء الإداري لكافة القرارات الانفرادية، مع رفض كافة المبررات التي تم طرحها.
ويتهدد شبح العزل العديد من رؤساء الجماعات الترابية بتطوان، وذلك في ظل ترقب وانتظار لمراجعة مصالح وزارة الداخلية لكافة الملفات القضائية، التي رفعها عامل الإقليم ضدهم في موضوع توقيعهم العديد من تراخيص البناء الانفرادية، وعدم التزامهم بتوجيهات ومضامين دورية وزارة الداخلية، وخرق مضامين تصاميم التهيئة المصادق عليها من قبل الجهات الحكومية المختصة.
ولم يقبل القضاء الإداري بكل محاولات المنتخبين، الذين تورطوا في خروقات تعميرية بتطوان والمضيق، تبريرهم القرارات الانفرادية أمام هيئة الحكم، حيث قضت المحكمة الإدارية بإسقاط كافة القرارات التي وقعها المعنيون.
ويذكر أن انتشار تراخيص البناء الانفرادية ساهم في انتشار عشوائية التعمير بتطوان ونواحيها، وما يتبع ذلك من مشاكل مستعصية أبرزها أخطار الفيضانات واضطرار الدولة إلى صرف الملايير، من أجل تجهيز البنيات التحتية الضرورية والحماية من الفيضانات، وضمان الحد الأدنى من شروط العيش الكريم داخل الأحياء العشوائية، حيث سبق تسجيل إقامة مشاريع عقارية بتراخيص انفرادية بجماعة واد لو، يملكها أعيان ووجوه انتخابية مشهورة بالشمال ومقربون منهم.
فوضى التعمير
ساهمت فوضى التعمير، بالعديد من الجماعات القروية بتطوان والمضيق، في الرفع من أخطار الفيضانات وتسرب مياه الأمطار للمنازل، فضلا عن تحول تجزئات سكنية إلى برك مائية، ومواجهة لجان اليقظة للعديد من الإكراهات والمعيقات المتعلقة بعمليات الإنقاذ، وتصريف مياه الأمطار وضمان حركة السير بشكل عادي.
وحسب مصادر مطلعة، فإن الجماعات الترابية أصبحت مطالبة بالتنسيق مع الوكالة الحضرية بتطوان، وأقسام التعمير بالعمالات، من أجل القيام بدراسات تقنية جديدة وشاملة تراعي التغيرات المناخية، وأخطار انزلاقات التربة والانهيارات الصخرية، وتقطع مع البناء بمجاري الوديان وبالأماكن المنخفضة التي تتجمع بها مياه الأمطار ويصعب تصريفها رغم استعمال المضخات من مختلف الأنواع.
واستنادا إلى المصادر نفسها، فإن اللجان التقنية المكلفة بإنجاز تصاميم التهيئة، عليها الصرامة في الالتزام بشروط السلامة والوقاية من الأخطار، في كل الزيارات الميدانية لإعداد الوثائق التعميرية، ومعالجة مشاكل الفوضى التعميرية وغياب مراعاة مشاكل الفيضانات وتحكم لوبيات في القطاع حققت أرباحا مالية ضخمة على حساب الصالح العام.
يذكر أن العديد من القيادات الحزبية بتطوان والمضيق باتت تؤرقها الملفات التعميرية وتراخيص البناء الانفرادية والملفات التي وصلت إلى القضاء، وغموض تسليم السكن، فضلا عن تخوف مسؤولين من حلول لجان تفتيش مركزية للبحث في كافة الملفات التعميرية، وترتيب المسؤوليات لربطها بالمحاسبة، فضلا عن اتخاذ تدابير استباقية تحول دون استغلال الانتخابات في توسيع دائرة البناء العشوائي، وارتكاب مخالفات تعميرية في وضح النهار بمشاريع عقارية.
وكانت السلطات المختصة بتطوان والمضيق والمدن المجاورة لها استنفرت كافة المسؤولين، من أجل الصرامة في مراقبة الخروقات التعميرية بالأحياء الراقية والهامشية، وتكثيف الدوريات النهارية والليلية، لقطع الطريق أمام كل محاولات إضافة طوابق عشوائية، وتوسع مساحة البناء العشوائي خارج تصاميم التهيئة المعمول بها، والتي تصادق عليها المصالح الحكومية المختصة.





