
خالص جلبي
يقول الدكتور (جيري) إنه الأفضل حتى الآن مما صنع (قلب التيتانيوم)، وإن باستطاعة الجهاز إعادة المريض إلى الحياة الاعتيادية من جديد. والسؤال هل يعتبر جهاز (الأبيو كور) هو نقطة التحول في حل مشكلة نقص القلوب لمرضى يعدون بالآلاف ينتظرون زراعة قلوب في صدورهم؟ ولكن الخلاف على أشده هو في البدائل، هل يستبدل كامل القلب فيرمى بالعليل في سلة المهملات ويوضع الصناعي ريثما يتأمن الطبيعي، أو أن يبقى المريض مع الصناعي إلى سنوات، أم يكتفى بوضع قلوب (مساعدة) والمحافظة على القلب الطبيعي؟ والمشكلة مع المريض الجديد وأربعة آخرين سوف تجرى لهم العمليات في كل من بوسطن وفيلادلفيا ولوس أنجلوس وهيوستن أنهم من النوع السيئ، الذي أصبح قاب قوسين أو أدنى من الموت، والمريض الأول ليس في أحسن أوضاعه، فقلبه اهترأ من تكرار نوبات الاحتشاء، فضلا عن بقايا عملية (بايباس = وصلة وريدية معاوضة لاستبدال الشريان المسدود)، بالإضافة إلى مرض السكري وفشل كبدي وكلوي، أي إنه يجمع من الأمراض الكفاية. ولذلك يتوقع له جراحه أن يصمد مع القلب الجديد في حدود 60 يوما، وفي حال كانت النتائج غير مشجعة فهناك احتمال أن تتدخل دائرة العلاج الأمريكية من جديد لتقييد هذه التجارب، ولذلك فإن شركة «الأبيوميد» سوف تتقدم بطلب تطبيق الجهاز على 15 مرضى آخرين بوضع أفضل.
إن الحلم بوضع القلب الصناعي في صدور المرضى يعود الحماس له منذ الستينات، مع رحلة الهبوط على سطح القمر، فحصل نوع من النشوة العلمية والحماس أن كل شيء قابل للتحقيق ومنها قهر الموت، ويومها قامت المؤسسة القومية للصحة الأمريكية بدفع هذه الأبحاث وتنشيطها ودرت الكثير من الأرباح على المغامرين. ولكن مع الأيام وبدراسة وظائف القلب وطاقته بدأ العلماء المتحمسون يميلون إلى التواضع أكثر ويتعلموا دروسا جديدة من القلب. فهو ليس مجرد ماكينة تضخ الدم فقط، وحتى في هذا الجانب فليس هناك من جهاز يضارع عمله، فهو يضرب في اليوم الواحد مائة ألف ضربة، يضخ فيها مع كل تقلص حوالي 70 مليلترا من الدم، وإذا حسب هذا على مدار سبعين سنة كان معناه ثلاثة مليارات ضربة، ما يملأ بحيرة متوسطة الحجم. ومن الأمور العجيبة التي اكتشفت في قلوب الكائنات، أنها تضرب في متوسط الحياة مليار ضربة، فمن ضرب قلبه أسرع قصر عمره، كما تستهلك الماكينة نفسها، وهو حاصل عند الفئران، ومن ضرب ببطء عمر أطول مثل السلاحف والفيلة، ويشذ عن هذا القانون الإنسان فيضرب قلبه ثلاثة إلى أربعة مليارات ضربة، والتجارب التي أجريت على العجول كانت لأشهر وما جرب في المصنع دام سنة، ولهذا لا يمكن التكهن بمصير القلب الصناعي الجديد. وهناك من الأطباء من يميل إلى الاستفادة من القلوب الصناعية المساعدة والمحافظة على القلب الطبيعي في مكانه، وهكذا أمكن تطوير موديلات مختلفة منها: (الكارديوفيست Cardiowest)، ومنها (جارفيك 2000) الذي يزن 85 غراما فقط ويقوم بدعم القلب الأيسر فقط، وهناك القلب (قلب الأسد = ليون هارت) ولا يحتاج إلى طاقة من الخارج، ولقد تم مساعدة أكثر من عشرة آلاف مريض قلب في ألمانيا منذ عام 1994 م. وقصة الطفلة (ميرثي Myrthe) من مدينة سوست من هولندا تجعلنا نفهم أهمية القلوب المساعدة، فالطفلة تعرضت لالتهاب في العضلة القلبية وتوقف قلبها ثلاث مرات عن الخفقان، مما دفع الأطباء إلى إنعاشها، ثم الكفاح لاستخراجها من قصور كبدي كلوي رئوي، ثم معالجة الطفلة بقلب داعم متصل بأنابيب إلى قلبها الطبيعي، وخلال عشرة أيام استعادت الطفلة عافيتها وخرجت إلى المنزل.
مع هذا فالأطباء متحمسون لاستخدام قلب (الأبوكور) الجديد، على الرغم من مشاكله فهو لا يصلح إلا للرجال ممن يملك كتفين عريضين فهو ليس للنساء أو الأطفال، فضلا عن مشاكل تنظيم جرعات مميعات الدم، التي تشكل تحديا كبيرا حاليا، ولكنه يبقى جهازا ممتازا خاصة عند المرضى الذين يشكون من ضعف شامل في كل القلب الأيمن والأيسر معا.
ويذكر الأطباء قصة عجيبة عن رجل في عمر 38 سنة، تعرض قلبه للانهيار فوضعوا له قلبا مساعدا، بحيث ارتاح قلبه الأصلي ثم اضطروا أمام إصابته بجلطة ضربت الدماغ، إلى إيقاف عمل القلب الصناعي ورجعوا إلى عمل قلبه الطبيعي وهم يظنون أنهم سيواجهون مشكلة عويصة لقلب عليل لا يعمل، ولكن المفاجأة كانت أن فترة الاستراحة السابقة نفعت، فإذا بالقلب قد نهض من ضعف ونشط من عقال، وبدأ يخفق على نحو ممتاز ونجا الرجل. وهذا مؤشر لنا جميعا أن نحافظ على قلوبنا في فترات استراحة من حين لآخر، كي يحافظ على حيويته متجددا. كما أن هذه القصة تنفعنا أن لا نضحي بالقلب، بل نحاول المحافظة عليه ما أمكن، مع هذا فقد اخطأ أرسطو حينما اعتبر أن القلب مركز الإدراك وأن الدماغ لا يزيد عن مركز تبريد للدم، وجالينوس الطبيب من العصر الروماني، هو الذي حدد الدماغ أنه مركز العواطف والتفكير.
واليوم يتذكر الجراح (دي فريس)، الذي كان أول من جرب زراعة القلوب المعدنية بتجربة جهاز (جافريك سبعة) على (بيرني كلارك) قبل أكثر من عشرين عاما، ويشجع معاونيه على المزيد من التجارب. أما هو فقد توقف عن العمل، لأنه شخصيا مريض قلبيا، وهو يعلق على نفسه فيقول: أليس من العجيب أن يعترينا الشعور أن قلوب العباد بين أيدينا وأننا قهرنا الموت، وأننا ما فوق بشر، ثم نكتشف فجأة أننا نمرض وقلوبنا تعطب وأن الموت يطوينا ويمحو محاسن تلك الصور.
يقول متصوف إنه مر على المقابر فسمع هاتفا ولم ير أحدا:
تفانوا جميعا فلا مخــــــبر وماتوا جميعا وهذا الخبر
فيا سائلي عن أناس مضوا أليس في من مضى معتبر.




