الرئيس بورقيبة قال إن دخول بوستة وبوعبيد للحكومة معناه طي ملف الصحراء نهائيا

يونس جنوحي
بحكم اهتمامه بأشغال الجامعة العربية ومشاركته في لجانها، كان السفير محمد التازي يعلم جيدا كواليس ما يدور في ممرات مقر الجامعة ومكتب رئيسها، وتأكد له أن الرئيس الجزائري، هواري بومدين، راسل رئيس الجامعة في الفترة نفسها التي راسله فيها الملك الحسن الثاني بعدما توترت الأوضاع في الصحراء، شهر نونبر 1977 -وكان التازي وقتها سفيرا للمغرب بتونس.
يحكي التازي عن تداعيات رسالة الرئيس هواري بومدين قائلا:
«كان محتوى رسالة الرئيس الجزائري التأكيد على استمرار السياسة الجزائرية في استفزاز المغرب ودفعه إلى تصعيد النزاع في المنطقة، عساها تجد في هذا التصعيد ثغرة تحقق بها ما تسعى إليه، خاصة بعد التعديل الحكومي الذي جعل حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي يشاركان في الحكومة. وأسند جلالته وزارة الخارجية إلى الأمين العام لحزب الاستقلال الأستاذ امحمد بوستة، ما أدخل ارتباكا على السياسة الجزائرية، فقد كانوا في الجزائر يتوقعون كل تطور إلا مشاركة الاستقلال والاتحاد في الحكومة، وأذكر تعليقا للرئيس الحبيب بورقيبة بعد التعديل، قال لي:
-«إن دخول بوستة وبوعبيد للحكومة معناه طي ملف الصحراء نهائيا».
فبرغم عدم ارتياح الحزبين لاتفاقية إفران مع الجزائر عام 1972، التي جعل منها جلالة المغفور له إطارا لتسوية نهائية لخلافات الحدود بين البلدين، فإن ثقتهما في جلالته وإيمانهما الثابت بحرصه أكثر من أي شخص آخر على حقوق المغرب، جعلهما يأملان في أن تكون خطوة جلالته أساسا لقيام مغرب عربي موحد تفقد فيه الحدود الجغرافية أهميتها. ولكن للجزائر حساباتها ومخططاتها، فلم تكتف بإيواء المرتزقة وتخطيط تحركاتهم من داخل أراضيها للاعتداء على المغرب، مما جعل جلالة الملك يطالب، في رسالته للأمين العام لجامعة الدولة العربية شهر نوفمبر 1977، بوضع حل لهذا التصعيد حتى لا يضطر لاستعمال حق متابعة المعتدين في أماكن انطلاقهم.
فخلال شهري غشت وسبتمبر من عام 1978 قام الجيش الجزائري نفسه باعتداءين على الأراضي المغربية، في منطقة «حاسي تلمسي»، وفي هذه المرة بعث، تغمده الله برحمته، رسالة مباشرة إلى العقيد هواري بومدين، شرح فيها جلالته خطورة ما يجري على الحدود بين البلدين، ودعاه دعوة صادقة إلى حوار مباشر عساه يفضي إلى تجاوز الوضع المتأزم الحالي والقضاء على التوتر المصطنع.. ويذكره بالتزاماته وتعهداته التي استهان بها وبأبسط مبادئ حسن الجوار، وتم تسليم نسخة من الرسالة الملكية إلى السفراء المعتمدين لدى جلالته، وإلى رئيس منظمة الوحدة الإفريقية، وإلى الأمين العام للأمم المتحدة وإلى رئيس مجلس الأمن.
في هذا التاريخ كان السيد امحمد بوستة يحضر في نيويورك دورة الأمم المتحدة، فأجرى اتصالات مباشرة مع عدد من وزراء خارجية الدول الأعضاء، ومع كاتب الدولة الأمريكي ومع الأمين العام للأمم المتحدة، وأطلعهم على تفاصيل الاعتداء الجزائري، وحين ألقى خطابه، في الجمعية العامة للأمم المتحدة، شرح بتفصيل العدوان الجزائري، ومراميه وأهدافه وخطورته على الوضع في المنطقة، مما قد يجعلها ميدانا للصراع العالمي. ثم استعرض جهود المغرب ومساعي جلالة الملك للحد من التوتر. وساهم جلالته بإخلاص في كل الجهود الإفريقية بحثا عن حل يحفظ للجزائر ماء وجهها لتورطها السريع في خلق التوتر، ومن ذلك قمة الخرطوم التي قررت إنشاء لجنة الحكماء لدراسة أسباب التوتر في المغرب العربي. ويضيف السيد بوستة، في خطابه، أنه لا يسع المغرب إلا أن يدين الخرق الفادح من طرف الجزائر لنداء الخرطوم لدول المنطقة بالكف عن كل ما يمكن أن يعرقل التوصل إلى حل عادل وسلمي للمشكل».





