
تطوان: حسن الخضراوي
تبعد منطقة الكوف، التي تقع داخل نفوذ عمالة المضيق – الفنيدق، عن مدينة المضيق بحوالي 8 كيلومترات، في اتجاه جماعة العليين القروية، وعن مدينة تطوان بحوالي 22 كيلومترا. هذه المنطقة السياحية تتميز بشلالاتها التي تتدفق من أعالي الجبال، وينابيع لا يجف صبيبها على طول فصول السنة، وجبال تحيط بها من كل جانب، وكأنها تحرس سكانها وزوارها لحمايتهم من أي مكروه.
أتت تسمية منطقة «الكوف»، بحسب شيوخ القرية، من اسم «الكهوف» التي تتميز بها المنطقة الجبلية، وكانت تشكل خلال مرحلة الاستعمار الإسباني ملاجئ للجنود المغاربة المقاومين، حيث سبق أن قاموا بنصب فخاخ لجنود الاحتلال بالمنطقة التي كانت تعرف المقاومة الباسلة طرقها وجبالها صخرة صخرة، ما كبّد العدو خسائر بشرية فادحة، وتسبب في سعار قيادات أمرت بتدمير القرى المجاورة بالطائرات وإلقاء قنابل كيماوية محظورة دوليا، مازال تأثيرها الكارثي سائرا إلى حد الآن على النبات والحيوان والإنسان.
من خلال زيارة طاقم «الأخبار» إلى منطقة الكوف لإنجاز روبورتاج حول هذه الوجهة السياحية، تبين لنا أن المنطقة ما زالت عذراء تنتظر مشاريع ومبادرات شبابية، لتطوير القطاع أكثر، والاهتمام بالاستثمار في المجال لخلق التنمية المحلية، من خلال توفير خدمات دور ضيافة تقليدية، وخدمات قضاء يوم مع سكان القرية، والتفكير في بناء وحدات فندقية والانفتاح على السياحة الداخلية والعالمية أيضا.
وتزخر منطقة الكوف بمؤهلات سياحية طبيعية متعددة، منها الجبال والشلالات والغابات والينابيع، والتراث الجبلي الرائع، الذي يرتبط بتاريخ مقاومة المستعمر، والحفاظ على روح «تمغربيت»، حيث تحكي كل صخرة في المنطقة عن أمجاد صنعتها المقاومة المغربية، وتشبثها بالهوية والثوابت والعادات والتقاليد الجميلة من إكرام للضيف وحسن استقباله وتقديم كافة الخدمات وفق الجودة المطلوبة، والإحساس دوما بأن ما قُدم لا يكفي، ويجب أن يتم تقديم أكثر فأكثر كعربون على مودة صافية صفاء مياه ضايات بالقرية، وكرم حاتمي نسبة إلى حاتم الطائي.
بداية الرحلة
في رحلتنا إلى الكوف، التي تبعد عن المضيق بحوالي 8 كيلومترات، اخترنا الانطلاق من الفنيدق مرورا بمنطقة العليين، حيث رافقنا حميد الدقداقي بسيارته الخاصة إلى المنطقة السياحية بحثا عن إمكانية شراء قطعة أرضية والاستثمار فيها ببناء دار ضيافة والعمل على استقطاب السياح من مدن مختلفة ومن الخارج، للتعرف على التراث الجبلي التقليدي والاستمتاع بالطبيعة الخلابة والسباحة بمياه الينابيع التي تنعش برودتها الروح، وتخفف من ضغوط وأعباء الحياة داخل المدينة.
طيلة الطريق إلى الكوف، لاحظنا مجموعة من المشاريع التي تهم إصلاح وتعبيد الطرق للربط بين كافة المناطق السياحية المسماة العليين، والبيين، وواد زرجون، والكوف العليا، والكوف السفلى، وجبل زمزم، وفرسيوة، وبلوزان، وأفراسو.. وهي مشاريع من تنفيذ مجلس جهة طنجة – تطوان – الحسيمة، وتشرف عليها السلطات الإقليمية والمحلية بالمضيق، في إطار سعيها للنهوض بالسياحة الجبلية وتوفير البنيات التحتية التي يمكنها جلب الاستثمارات الداخلية والخارجية، وتوفير فرص الشغل لتقليص نسبة البطالة المنتشرة في صفوف الشباب، ومحاصرة والتقليل من تبعات القطاعات غير المهيكلة منها التهريب الذي توقف بباب سبتة المحتلة.
على مستوى الطريق المتربة، توقفنا عند نتائج حريق غابوي مهول وقع قبل مدة طويلة بالمنطقة، وعاينا حجم الخسائر الكارثية والتأثير السلبي على الطبيعة، حيث ظلت الأشجار واقفة رغم موتها، يحيط بها السواد من كل مكان، بعدما كانت تسر الناظرين وتبعث على الأمل والحياة، وهو الشيء الذي يدعو الجميع لتحمل مسؤوليته في حماية البيئة، والمساهمة في تجنب كل أسباب الحريق، والانخراط في كافة المبادرات التي أطلقتها ولاية جهة طنجة – تطوان – الحسيمة، للحد من حرائق الغابات بالشمال، والتوعية والتحسيس بتبعات كوارث تدمير الغطاء الغابوي على الطبيعة والإنسان والحيوان.
التقينا أحد الرعاة الشباب بالقرب من سد أسمير الذي يقع ضمن نفوذ تراب عمالة المضيق، ويشكل منبع الحياة لكافة المدن المجاورة، فدلنا على الطريق المؤدي إلى الكوف السفلى بالضبط حيث دور الضيافة وشلال القرية، والينابيع التي لا تجف، وحسن استقبال السكان وإكرامهم الضيف، والاستعداد لتلبية كل طلباته والسهر على راحته ومساعدته على الوصول إلى كل المناطق الجبلية الرائعة والمناظر الطبيعية الساحرة.

قرية هادئة
نحن الآن بقرية الكوف السفلى. داخل منزل صغير أثاثه وعمرانه يحكيان عن تراث جبلي يهتم به السكان ككنز ثمين. استقبلنا خالد، الشاب في الثلاثينات من عمره، يستثمر في دار للضيافة ويطمح إلى تطوير مشروعه السياحي، لذلك وضع طلبا لدى منصة دعم مشاريع شبابية بالفنيدق، في انتظار إجراءات الدراسة والموافقة من قبل المؤسسات المعنية.
قال خالد لـ «الأخبار»: «فكرت في مشروع لدار الضيافة بمواصفات تقليدية، ومعمار وتجهيزات صديقة للبيئة، لذلك قمت بوضع طلب للدعم في المجال، بعد بوادر نجاح تنظيم رحلات جماعية للقرية، وزيارة الجبال الشامخة شموخ سكانها، ومنطقة فحص المهر الرائعة حيث تعيش الأبقار الوحشية والخيول والعديد من الحيوانات الأخرى، ناهيك عن الاستمتاع بالشلالات والسباحة بالوديان القريبة من قرية الكوف».
وأضاف خالد أن ثمن الخدمات السياحية بمنطقة الكوف في متناول جميع فئات المجتمع، إذ يكلف مبيت أسرة كاملة بدار ضيافة لمن يرغب في ذلك 150 درهما تقريبا، مع حوالي 80 درهما عن كل شخص للإطعام عن كل يوم، وخدمات أخرى مواكبة بعضها بالمجان، من زيارات لشلالات وينابيع وقضاء يوم ممتع في اكتشاف كيف يعيش أهل المنطقة يومهم بين العمل في الحقول والسقي والزراعة والاهتمام بالحيوانات، وقضاء أشغال البيت والمطبخ التقليدي.
وأشار خالد إلى أن شباب المنطقة يطمح إلى تشجيع المسؤولين للسياحة الجبلية بشكل أكثر من أي وقت مضى، حيث تبقى المنطقة عذراء من حيث الاستثمارات وإمكانية استغلال سد أسمير في أنشطة رياضية، وفتح المجال لقوارب صديقة البيئة، تحمل السائح لتناول وجبة غداء فوق المياه مثلا، ناهيك عن ركوب الخيل لصعود الجبال ودخول أدغال الغابات وممارسة هوايات مفضلة حسب رغبة كل سائح.
وحسب أحد سكان قرية الكوف، فإن وسائل النقل التي تربط بين الكوف والمضيق تبقى محصورة في الدراجات النارية والسيارات الخاصة والنقل السياحي، لكن مع استكمال تشييد مشاريع الطرق التي تربط بين مجموعة من المناطق الجبلية، سيفتح المجال للطاكسي ومواصلات أخرى عمومية، ما سيسهل وصول الجميع واستمتاعهم بالمناظر الخلابة.

منطقة عذراء
«الكوف أو الكهوف.. يمكن تحويلها لمنطقة سياحية بامتياز، تجلب الزوار والسياح، فقط إذا توفرت الإرادة القوية، وكانت هناك رؤية استراتيجية واضحة، تساهم في تنزيلها مجموعة من المؤسسات المعنية، وينخرط فيها السكان بكل قوة لأنهم هم الفيصل في نجاح أي مشروع أو مبادرة».
هكذا حدثنا سعيد، وهو شاب في الأربعينات من عمره يريد الاستثمار في مجال السياحة الجبلية، ويرى أن التراث الجبلي والمؤهلات السياحية الطبيعية لمنطقة الكوف لا يتم استغلالها كما يجب، حيث تبقى المنطقة عذراء سياحيا بحسب سعيد الذي يطمح أن تكون السياحة بالشمال دائمة طيلة شهور السنة، وليس موسمية فقط.
يقاطعه مرافقنا حميد الدقداقي ويسأله عن ثمن دار ضيافة بقرية الكوف معروضة للبيع، والإمكانية المتاحة للاستثمار فيها..؟
فيجيب سعيد: أثمان القطع الأرضية على العموم تبقى معقولة بالقرية، والطموح هو تشييد سلسلة من دور ضيافة بمواصفات تقليدية صديقة للبيئة، وتنظيم وهيكلة القطاع من خلال تشكيل جمعيات تهتم بالمجال وتكون هي المخاطب بالنسبة للسلطات والمؤسسات البنكية عند طلب القروض أو الاستفادة من برامج مثل برنامج انطلاقة، وذلك كله في إطار الحفاظ على الجودة والأثمان وحماية المستهلك، وتجنب كل مسببات فشل السياحة من استغلال وكذب على السائح وتنفيره بممارسات مشينة هدفها الربح السريع.
أكد لنا سعيد أن منطقة فحص المهار التي تعيش فيها أبقار وحشية وخيول وحيوانات أخرى، كفيلة بجلب السياحة، إلى جانب شلال القرية الذي يشكل لوحة جميلة ويجب التفكير في طريقة لاستمرار تدفقه الدائم نهارا كما كان في السابق، وليس مثل ما يحدث الآن من تدفقه ليلا وتوقفه نهارا بسبب قرارات عرفية تتحكم في توزيع الماء بين السكان بالمنطقة، وسقي الحقول المجاورة.
يتدخل شاب من القرية ليدلي بدلوه في الموضوع ويقول: «هناك سياحة تسمى قضاء يوم بكامله بالقرية، وعيش اليوم من قبل السائح وكأنه فرد من العائلة، يستيقظ في الصباح يتناول فطوره التقليدي، ويذهب إلى الحقل مرتديا الزي التقليدي للرجال والنساء، ثم يعمل أو يجني الثمار والخضر والفواكه، ويعود إلى المنزل التقليدي لإعداد وجبة الغداء والاهتمام بتربية الحيوانات.
هنا يمكن تنظيم رحلات سياحية للصيد كذلك بأعالي الجبال، حيث توجد العديد من الأبقار الوحشية التي تعيش بالمكان، بعضها مملوك لسكان بالقرية، حيث يقوم القناصة باصطيادها، وبعد ذلك سلخها وتوزيعها بينهم حسب الرغبة، مع تخصيص تعويض مادي لمالكها، كما يمكن إعداد الطاجين بلحمها اللذيذ وتناوله داخل الغابات والمياه تحيط بك من كل جانب.

مستقبل واعد
خلال زيارتنا لمنطقة الكوف، التقينا شيخا في الثمانينات من عمره، حدثنا عن مغامرات المقاومة وبطولاتها بأعالي الجبال، ومعرفتها الدقيقة بالتضاريس والكهوف، وعدم سماحها للاستعمار باغتصاب ولو شبر من الأرض المباركة.
يقول الشيخ: «هذه أرض مباركة، تستحق كل خير، وهي الآن أمانة بين يدي جيل الشباب الذي يجب أن يبلي حسنا ويجاهد بدوره لتحويلها إلى قبلة سياحية، ما يساهم في التنمية وتوفير فرص الشغل، وتحسين مستوى عيش الأسر، وفتح المجال أمام تطوير الاستثمارات بشكل مستمر، وهذا كله لا ريب في أنه يدخل ضمن الجهاد الأكبر المتعلق بالبناء..».
ما أثارنا هو احتفاظ الشيخ المذكور بجريدة رسمية تعود إلى سنة 1970، وقد اطلعنا عليها قبل عودته للاحتفاظ بها ككنز ثمين، لحملها مواضيع تهم تسيير الشأن العام الوطني آنذاك، وكي نقوم بحسبه بالاطلاع على تاريخ المناضلين القدماء الذين توفي بعضهم، وكيف كانت النقاشات السياسية تدور باحترام وعدم تسفيه، والعمل الذي يجب أن يكون أكثر من الكلام وليس العكس.
مهتمون بعالم السياحة يرون أن تشييد مشاريع الطرق وتعبيدها والانتهاء من ذلك، هو بمثابة الشرايين التي ستوصل دماء المال والأعمال إلى منطقة الكوف، إلى جانب ضرورة تشكيل جمعيات وتنظيمات وتكتلات قانونية، للتعاون وإبراز المؤهلات السياحية للمنطقة، والانفتاح على عالم الإشهار الاحترافي، والتنظيم والهيكلة لسهولة التسويق والوصول إلى الزبون السائح.
يكلف مبيت أسرة كاملة بدار ضيافة لمن يرغب في ذلك 150 درهما تقريبا مع حوالي 80 درهما عن كل شخص للإطعام عن كل يوم




