
النعمان اليعلاوي
كشفت الهيئة الوطنية للتقييم لدى المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، الخميس الماضي، عن تفاصيل تقريرها الجديد حول «تقييم التعليم الأولي بالمغرب»، الذي يرصد حصيلة عقد من الإصلاحات والتحولات التي عرفها هذا القطاع ما بين سنتي 2015 و2025، مسجلا تقدما ملحوظا على مستوى تعميم الولوج، مقابل استمرار اختلالات بنيوية تمس الجودة وظروف اشتغال الموارد البشرية، خاصة في الوسط القروي والتعليم غير المهيكل.
طفرة في العالم القروي
التقرير، الذي جرى تقديمه خلال لقاء إعلامي، أبرز تحسنا ملموسا في نسب تمدرس الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 4 و5 سنوات، حيث ارتفعت من 50,2 في المائة سنة 2015 إلى 70,4 في المائة في متم سنة 2025. واعتُبرت هذه القفزة مؤشرا إيجابيا على توسع العرض التربوي، خصوصا في العالم القروي، الذي سجل طفرة لافتة بانتقال نسبة الاستفادة من 36,3 في المائة إلى 75,6 في المائة، متجاوزا بذلك الوسط الحضري الذي بلغ فيه معدل التمدرس 66,8 في المائة.
وأوضح التقرير أن هذا التوسع الكمي واكبه استثمار عمومي متزايد، إذ تضاعفت الميزانية المخصصة للتعليم الأولي من 1,13 مليار درهم سنة 2019 إلى ما يقارب 3 مليارات درهم سنة 2025، في سياق توجه حكومي واضح نحو تعزيز العرض العمومي. وفي هذا الإطار، ارتفع عدد وحدات التعليم الأولي العمومي من حوالي 6 آلاف وحدة إلى أكثر من 23 ألف وحدة خلال الفترة نفسها، ما ساهم في تحسين نسب التغطية وتقليص الفوارق المجالية.
وعلى مستوى جودة التعلمات، سجل تقرير تقييم التعليم الأولي بالمغرب معدل مكتسبات عام بلغ 62 نقطة من أصل 100، حيث تجاوز 75 في المائة من الأطفال عتبة المتوسط. غير أن التقرير رصد تفاوتات واضحة بين الوسطين الحضري والقروي، إذ حقق أطفال المدن معدل 66 نقطة مقابل 58 نقطة فقط لأقرانهم في القرى، ما يعكس استمرار فجوة الجودة رغم التقدم المسجل في التعميم.
وفي تصريح صحفي بالمناسبة، أكد هشام آيت منصور، مدير الهيئة الوطنية للتقييم، أن الحصيلة العامة تعكس تقدما لافتا بلغ حوالي 70 في المائة، معتبرا أن النسبة المتبقية تشكل ورشا مفتوحا يتطلب مزيدا من الجهود خلال السنوات المقبلة. ونبه المتحدث إلى أن التحدي الحقيقي يتمثل في الارتقاء بجودة التعلمات، خصوصا في الوسط القروي، رغم أن غالبية الأطفال حققوا نتائج تفوق المتوسط، مشددا على ضرورة تحسين الجوانب اللوجيستية، وفي مقدمتها المرافق الصحية، لضمان بيئة تعليمية سليمة وصحية للأطفال.
هشاشة واكتظاظ
في المقابل دق التقرير ناقوس الخطر بشأن «هشاشة ظروف اشتغال مربيات ومربي التعليم الأولي»، حيث كشف أن مؤطري ربع الأطفال يتقاضون أجورا تقل عن 2000 درهم شهريا، في حين يحصل مؤطرو 42 في المائة من الأطفال على أجور تبلغ 3000 درهم أو أكثر. وسجل التقرير تفاوتا ملحوظا في صرف الأجور، خاصة في التعليم غير المهيكل، إذ صرح مربو 23 في المائة من الأطفال بتأخر تسلم رواتبهم، مقابل نسب أدنى في وحدات الشراكة والقطاع الخاص، ولا تتجاوز 6,5 في المائة في القطاع العمومي.
وأشار التقرير إلى أن هذا الوضع يؤثر سلبا على جودة التأطير، في ظل استمرار الاكتظاظ وضعف احترام نسب التأطير المعتمدة. ولا يستفيد سوى 55 في المائة من أطفال الوسط الحضري من أقسام تحترم معيار أقل من 15 طفلا لكل مربية أو مرب، في حين يوجد 56 في المائة من أطفال القطاع العمومي و37 في المائة من أطفال الوسط القروي في أقسام تضم أكثر من 20 طفلا.
ورغم هذه الإكراهات، أبرز التقرير أن 93 في المائة من الأطفال يستفيدون من تأطير مربيات ومربين متخصصين أكاديميا أو تلقوا تكوينا في التعليم الأولي، مع تسجيل نسب كاملة في وحدات الشراكة، و93 في المائة في القطاع العمومي، مقابل 91 في المائة في القطاع الخاص و85 في المائة في التعليم غير المهيكل. ويستفيد 72 في المائة من الأطفال من تأطير أطقم خضعت لتكوين مستمر خلال الاثني عشر شهرا الماضية.
غير أن الوثيقة نبهت إلى هشاشة الاستمرارية المهنية، إذ لا يخطط سوى 45 في المائة من المربيات والمربين لمواصلة العمل في مجال التعليم الأولي على المدى الطويل، في ظل اعتماد واسع على أطقم شابة قليلة الخبرة، سيما في القطاع العمومي والوسط القروي. وخلص التقرير إلى أن تحسين ظروف الاشتغال وتقليص الفوارق المجالية يظلان رهانين حاسمين لضمان جودة واستدامة ورش التعليم الأولي بالمغرب.





