
يوسف أبوالعدل
في كواليس كأس أمم إفريقيا لكرة القدم، حيث تتجه الأضواء إلى المستطيل الأخضر وتتعالى الهتافات في المدرجات، يشتغل جيش صامت لا تقل أهميته عن نجوم الملاعب. إنهم جنود الخفاء؛ أمنيون يسهرون على سلامة الجماهير وتنظيم الحشود، ينتشرون في محيط الملاعب وخارجها لضمان أن يمر العرس القاري دون فوضى أو ارتباك.
وعلى هامش كل مباراة، يتحرك عمال النظافة منذ الساعات الأولى، يهيئون الفضاءات ويعيدون للمدرجات بريقها فور انتهاء المباريات، في صورة حضارية تعكس احترام الحدث والإنسان. وفي الخلفية، يقف المسعفون والأطباء في حالة استنفار دائم، يتدخلون في اللحظة الحاسمة لإنقاذ الأرواح.
إلى جانبهم، يضفي المتطوعون روحا إنسانية خاصة، بابتساماتهم وإرشاداتهم ومرافقتهم للجماهير والوفود. من خلال ملف هذا الخاص نفتح نافذة على أولئك الذين صنعوا نجاح «الكان» بصمت، وكتبوا أجمل فصوله بعيدا عن عدسات الكاميرات.
أظهر المغرب تفوقه أمنيا في العديد من المحافل الدولية والإقليمية والقارية، وحلت كأس أمم إفريقيا لتواصل المملكة وضع خططها المحكمة في هذا المجال، الذي يمزج بين الحرية الشخصية للأفراد والصرامة الأمنية في احترام للقانون عند الخروج عن النص لأي فرد من الجماهير المتوافدة على المغرب في هذه المسابقة.
أمن «الكان».. عيون لا تنام
أفادت المديرية العامة للأمن الوطني بأن كل ملعب من الملاعب التسعة المحتضنة لمباريات «الكان» يتوفر على غرف عمليات أمنية مباشرة مع كاميرات عالية الدقة، مرصودة في كل محيط الملعب داخله وخارجه، تترصد كل حركات الجماهير، خاصة الخارجة عن النص والتي تستعمل العديد من الأمور التي شدد الاتحاد الإفريقي لكرة القدم سابقا على رفض استعمالها في المدرجات المغربية، خلال بطولة أمم إفريقيا.
وأكدت المديرية العامة للأمن الوطني أنها وضعت 90 كاميرا في الملاعب التسعة، ترصد كل تحركات الجماهير، تصلها عبر غرفة قيادة متطورة، ناهيك عن كاميرات «الدرون» المنتشرة في الملاعب ومحيطهها ترصد تحركات المناصرين المتجهين صوب الملاعب لمناصرة منتخباتهم.
أما عن تأمين الوفود المشاركة، فرغم اكتظاظ حركة السير الذي تعرفه المدن الخمس المحتضنة للمسابقة القارية في أوقات الذروة، إلا أن الأمن المغربي تمكن من تأمين كل تنقلات حافلات المنتخبات بشكل يومي، سواء إلى مقرات تداريبها، أو في اتجاه ملاعب مبارياتها، وهي الحقيقة التي اعترف بها كل رؤساء وفود المنتخبات المشاركة في «الكان».
«سطاديي».. شباب مغربي متطوع
نجح أكثر من 1000 شاب مغربي في تأمين مجريات مباريات كأس أمم إفريقيا لكرة القدم، وذلك عبر نشرهم في ملاعب المملكة التسعة، التي تستقبل نزالات البطولة القارية، وذلك بعد الموافقة على طلباتهم من طرف الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، التي كانت قد وضعت طلب عروض للشباب المغاربة الذين يبلغ عمرهم ما بين 18 و35 سنة، من أجل العمل كمتطوعين في «الكان»، وكسب تجربة جديدة في حياتهم العملية تقودهم مستقبلا إلى وظائف أخرى، خاصة أنهم سيتوصلون بوثيقة عمل تثبت مزاولتهم لهذه الوظيفة لمدة تفوق الشهر.
ويقول عمر وهو شاب مغربي التقته «الأخبار»، بمحيط المركب الرياضي محمد الخامس بالدار البيضاء، إنه حاصل على شهادة البكالوريا، ووضع سيرته الذاتية حينما عاين بأحد مواقع التواصل رغبة جامعة كرة القدم الوطنية في اختيار متطوعين للعمل رفقتها في كأس أمم إفريقيا، إذ سعى فورا لذلك، وهي الرغبة التي قوبلت بالموافقة على طلبه، إذ بعد فترة تدريبية بالعاصمة الرباط رفقة العشرات من زملائه وزميلاته في كيفية استقبال الجماهير، تم وضعه للعمل بالمركب الرياضي محمد الخامس، بحكم أنه يقطن بمدينة الدار البيضاء، وهو العمل الذي يعتبره الأول في مساره المهني، بعد فترة دراسة قضاها إلى حدود البكالوريا، ليواصل بعدها دراسته بجامعة المحمدية.
وأضاف المتحدث نفسه أن خلية أمنية شاركت في تدريسهم خلال فترة التدريب، لتعليمهم كيفية التعامل مع جميع الحالات، وإمداد رجال الأمن بجميع المعلومات، مؤكدا أن هذا التدريب وهذا العمل الميداني جعله يدخل سوق الشغل قبل الوصول إليه، معتبرا الفترة الحالية من أحسن الفترات في حياته، خاصة أنه ربط علاقات وكسب العديد من المدارك المهنية التي قد تنفعه عند نهاية «الكان» للاشتغال في وظيفة محترمة، توازي دراسته التي يسعى إلى إنهائها مستقبلا.
الإعلاميون يشيدون بأجواء المركبات والندوات
أشاد الإعلاميون الذي يسهرون على تأمين مجريات مباريات «الكان»، والذين حلوا من مختلف الدول الإفريقية، خاصة التي تشارك منتخباتها في المسابقة، بالأجواء التنظيمية داخل المقرات الإعلامية التي وضعتها المغرب عبر الجامعة الملكية لكرة القدم في كل الملاعب المستضيفة لنهائيات كأس أمم إفريقيا، والتي هيأت كل الظروف للإعلاميين عن تنظيم جانب الإعلام والندوات، سواء قبل المباريات أو بعدها.
وهيأت الجامعة كل السبل التي تسهل على الصحافيين التواصل مع المدربين واللاعبين في الندوات الصحفية، عبر تقنية تغيير اللغة من خلال مترجمين من ثلاث لغات، ما عكس صورة مشرفة عن القدرة التنظيمية والكفاءة المهنية العالية التي طبعت هذه التظاهرة.
أطباء ورجال نظافة.. خلايا في الملاعب والمستشفيات
لم ينصب اهتمام المغرب الكلي فقط على كيفية تحضير الملاعب وتأمين الجماهير التي ستحضر إلى المملكة لمساندة منتخباتها في كأس أمم إفريقيا، بل وضع كل أطقمه الطبية في المدن المستضيفة للمسابقة، سواء بالملاعب المستقبلة للمباريات، من خلال أطقم طبية من مستوى عال، يتصدرها طبيب مختص في القلب في كل ملعب، بالإضافة إلى منصات في المستشفيات العمومية لهذه المدن تستقبل كل الزوار الذين أصابتهم حالة مرضية، من جماهير ومسؤولين ووفود من البعثات الإفريقية المشاركة في «الكان».
رجال النظافة هم أنفسهم لم يقصروا من مجهوداتهم في إظهار صورة جيدة عن المغرب كبلد نظيف ومستضيف لكأس أمم إفريقيا يرحب بضيوفه، مهما اختلفت أجناسهم وألوانهم ودياناتهم، خاصة أن أبرز ما استأثر باهتمام زوار المغرب نظافة المدن المستقبلة للبطولة القارية، وهي النظافة التي ساهم فيها كل رجال النظافة، ومنهم من بات يعيش يوميا في ملاعب المملكة المحتضنة للعرس الكروي الإفريقي، من أجل جمع مخلفات ونفايات الجماهير بعد نهاية كل مباراة، في صور تناقلتها العديد من وسائل الإعلام الوطنية والأجنبية، ولقيت ترحيبا وشكرا من طرف كل المناصرين المغاربة والأجانب أنفسهم.





