حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأي

سياق ظهور الديمقراطية الاجتماعية

بقلم: جمال مكماني
أبانت التحولات التاريخية والاجتماعية المعاصرة عن قصور في المنظومات الفكرية والسياسية والاقتصادية الكلاسيكية (الاشتراكية والليبيرالية)، بخصوص تحقيق ما بشرت به من عدالة اجتماعية وبناء مجتمع المساواة وتكافؤ الفرص. كما أن خفوت التقدير السياسي من طرف المواطنين للفاعلين السياسيين، بسبب فقدان الثقة في قدرتهم على تقديم الإجابات العملية الآنية عن واقع معيشهم اليومي، قتل شيئا ما ذلك الحماس الذي كان يميز الحياة السياسية، وفق ثنائية اليمين واليسار. ومن أجل ملء ذلك الهامش الذي بدأ ينسحب منه الفاعل السياسي مكرها، بدأت تتشكل ملامح بروز فاعلين آخرين، من خلال مبادرة مجموعة من المواطنين دون انتظار مبادرة السياسيين. وبدأت هذه المجموعة تستفيد أكثر من التلاشي التدريجي للثقة في الفاعل السياسي لتؤسس لمصداقية خطابها خارج ثنائية اليسار واليمين، وبذلك باتت تشكل قوة مؤثرة.
ومن بين ما ميز هذه الحركات الاجتماعية الصاعدة الجديدة، حسب آلان تورين «أنها لم تعد أداة في يد الغير لاستغلالها أو استخدامها، إذ إنها كانت تحمل وتعبر عن مشاكل ذات طبيعة عالمية. كما أنها عبرت عن اعتراضات وتظاهرات باسم الضمير والأخلاقية، بعيدا عن التعبير أو الدفاع عن المصالح المباشرة لجماعات اجتماعية محدودة أو معينة»، بحيث بداية تَشُكل خطاب سياسي جديد يروم المطالبة بإصلاحات سياسية تشمل كل أطياف المجتمع وليس الدفاع عن فئة اجتماعية بعينها، وهو ما جعلها تتموقع في ما وراء اليمين واليسار، حتى في مطالبها التي دافعت عن إعادة التوزيع الاقتصادي والتوسع في تحيين حقوق المواطنة، مستخدمة منهجا مغايرا في معالجة المشاكل بتركيزها على مواضيع محددة واقتراح الحلول لها، بدل التركيز على تقديم حلول عامة. كما أنها لم تعد تولي اهتماما للمفاهيم والأطروحات الجذابة التي بني عليها سياق تأسيس أحزاب اليمين واليسار، بل أصبحت تركز بشكل غير مسبوق على حقوق الأفراد في اختياراتهم والتحكم بحياتهم الخاصة، وتحفز الأهمية المتزايدة للنزعة الفردية وتشجع تنوع أساليب الحياة، لدرجة أنه أصبحت نوعية الحياة هي المحدد الأساسي في تصنيف تقدم الدول، وعن طريقها يتم تقدير مدى نجاح الحكومات أو فشلها. وسيرتقي صحبة ذلك، التعليم والتدريب والمعلومات والتصميم إلى قطاعات مركزية في عملية الإنتاج.
هذا السياق الجديد حمل أسئلة حارقة من قبيل؛ كيف السبيل إلى الوصول إلى المعنى في الحياة السياسية، بعد تلاشيه مع ثنائية يمين/ يسار؟
وكيف يمكن دمج قضية البيئة- كجيل جديد من القضايا المطروحة على الفاعل السياسي- في ممارسة سياسية جديدة؟ وما هو التعامل الأنسب مع تحديات العولمة كأمر واقع؟ وكيف يمكن التعامل مع تحول المجتمعات الى مجتمعات أكثر فردية (النزعة الفردية)؟…
البحث عن أجوبة عن هذه الأسئلة التوجيهية الكبرى، هو الذي سوف يؤدي إلى ظهور الطريق الثالث (الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية)، والتي حددت هدفها العام، حسب عالم الاجتماع «أنطوني غيدنز»، في تقديم المساعدة للمواطنين لكي يشقوا طريقهم أمام إكراهات الثورات الرئيسة للعصر والمتمثلة في:
– الاقتصاد الحر (العولمة)؛
– التحول في الحياة الشخصية (النزوع نحو الفردانية والتخلي عن النزوع نحو ما هو جمعي)؛
– العلاقة مع البيئة، سواء في شقها المتعلق بالطبيعة أو المتعلق بالجسد (مسألة الرعاية الصحية).
لكل ذلك تم تحديد الديمقراطية الاجتماعية من طرف غيدنز، باعتبارها إطارا مرجعيا للتفكير وصناعة السياسات، التي تهدف إلى ملاءمة بنية الاقتصاد مع عالم تعرض لتغيرات جذرية، خلال العقود الأخيرة.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى