
اتخذ عزيز أخنوش، رئيس الحكومة، قرارا شجاعا بإعلانه عدم الترشح لولاية ثالثة على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار، وعدم الترشح للانتخابات التشريعية المقبلة، وأحدث هذا القرار رجة وصدمة في المشهد السياسي الحزبي.
هذا القرار جاء في ظروف يتسم فيها المشهد السياسي بالجمود، ولذلك أحدث رجة، لأنه شكل استثناء بعد تكريس زعماء أحزاب سياسية لقاعدة الخلود في المناصب والتشبث بكراسي الزعامة، ولو بالالتفاف على القوانين الداخلية للأحزاب السياسية.
عزيز أخنوش كان يمكن أن يستمر على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار إلى ما بعد إجراء الانتخابات التشريعية المقبلة، وذلك من خلال عقد مؤتمر استثنائي له صلاحيات التمديد للأجهزة التنظيمية، بما فيها رئيس الحزب، والمكتب السياسي، من أجل الإعداد الجيد للانتخابات المقبلة، لأن قانون الأحزاب السياسية يسمح لظروف استثنائية بعقد المؤتمر العادي خلال الستة أشهر الموالية لتاريخ الموعد القانوني.
لكن أخنوش اختار أن يغادر الحزب في أوج قوته، وفضل أن يحترم القوانين الداخلية للحزب، وأن يعلن بشجاعة عن عدم ترشحه لولاية أخرى، وفتح باب الترشح لمنصب رئيس الحزب، بعد قضائه لولايتين من عشر سنوات، رغم أن التخلي عن قيادة الحزب في هذه الظروف قد يكون محفوفا بالمخاطر، خصوصا في سياق سياسي يعرف تنافسا قويا على بعد أشهر قليلة عن موعد الانتخابات التشريعية، التي ستفرز الحكومة المقبلة.
ويعكس هذا القرار ثقة بالنفس وجرأة على اتخاذ قرارات صعبة لصالح المصلحة العامة للحزب، وفتح الباب أمام وجوه جديدة للتداول على قيادة الحزب، خلافا لزعماء أحزاب سياسية قاموا بإدخال تعديلات على قوانين أحزابهم لكي يضمنوا لأنفسهم الاستمرار على كراسي الزعامة الحزبية، ضاربين بعرض الحائط كل الأعراف الديمقراطية.
وخير مثل على ذلك إدريس لشكر، الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي، الذي قام بتعديل القانون الأساسي للحزب، لكي يمدد لنفسه زعيما للحزب مدى الحياة، وبدون فتح باب التنافس على منصب الكاتب الأول للحزب، كما حدث في المؤتمر الأخير للحزب، في الوقت الذي يتبجح الحزب بشعارات الديمقراطية والاشتراكية.
وقبله، نصب نبيل بنعبد الله نفسه زعيما أبديا لحزب التقدم والاشتراكية، حيث عقد مؤتمرا شكليا، لإعادة انتخابه أمينا عاما لولاية رابعة، بعدما استعان بـ«الفيدورات» لطرد معارضيه الذين أسسوا تيارا أطلقوا عليه اسم «سنواصل الطريق». ووجه بنعبد الله تعليمات لأتباعه وحراس الأمن الخاص بسحق كل من يعارض استمراره زعيما للحزب، بعبارة «عفط على مو».
أما عبد الإله بنكيران فحول حزب العدالة والتنمية إلى زاوية دينية، ونصب نفسه شيخا أبديا للزاوية بمباركة الأتباع والمريدين، فرغم مغادرته لكرسي رئاسة الحكومة سنة 2016 لم يهدأ له بال، واستعمل كل الأسلحة ضد معارضيه داخل الحزب، لكي يعود إلى قيادة الحزب لولاية رابعة وخامسة.
إذن قرار أخنوش رسالة قوية للسياسيين بأن القيادة الحزبية ليست مرتبطة بشخص واحد، ينصب نفسه زعيما، وأن قوة الأحزاب تكمن في قوة مؤسساتها، وليس في الأفراد فقط.
فهل سيلتقط باقي زعماء الأحزاب السياسية هذه الرسالة، وتكون لهم الجرأة والشجاعة السياسية للتخلي عن كراسي القيادة الحزبية، أم سينصبون أنفسهم زعماء خالدين فيها إلى أبد الآبدين.





