حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأي

صورتان من يقظة الضمير العالمي

مالك التريكي
كان من المفترض أن يشهد الثامن من هذا الشهر احتفالات رسمية كبرى في أوربا، بالذكرى الخامسة والسبعين لنهاية الحرب العالمية الثانية. وما كان ليخطر بالبال، حتى أواخر العام الماضي، أن الاحتفالات لن تقع لأن حربا عالمية، من نوع آخر، ستقع في الأشهر الأولى من هذا العام. على أن هنالك بين الحدثين، المتباعدين بثلاثة أرباع قرن، درجة من الاتصال: ذلك أن كلا منهما قد حرك الضمائر وأثار يقظة في الوعي العام. فقد عقدت الإنسانية العزم بعد الحرب العالمية الثانية، التي سقط فيها أكثر من خمسين مليون ضحية معظمهم من المدنيين، على حفظ الدرس ومنع تكرر المجزرة الرهيبة. وهكذا أنشئت هيئة الأمم المتحدة التي كان لها الدور الأكبر في بلورة نظام دولي تمكن حتى الآن، رغم كثرة النقائص التي تعتريه، من منع اندلاع حرب عالمية ثالثة.
كما أنه يبدو اليوم أن الإنسانية راغبة في استخلاص العبرة من بلايا الجائحة وآلامها. إذ إن الموقف السائد لدى مختلف القطاعات والفئات، وفي مقدمها المثقفون والمفكرون والكتاب والفنانون والباحثون، سواء في العلوم الطبيعية أو الاجتماعية، هو أنه لا بد من إصلاح النظام الرأسمالي العالمي إصلاحا جذريا يكرس العدالة الاجتماعية ويعمم الخدمات الأساسية، مثل الصحة والتعليم، وينهي الممارسات الصناعية «الإنتاجوية» التي تضافرت مع نمط الحياة الاستهلاكي تضافرا مخيفا دمر البيئة وأشقى البشر، وها هو ذا يوشك أن يهلك الكوكب.
وأقوى دليل على سوء حال العالم اليوم هو تفاقم الهوة بين الاقتصاد الفعلي والاقتصاد المالي، إذ بينما تنذر الجائحة بكساد عظيم شبيه بكساد عام 1929، بفعل تعطل الاقتصاد ووقوع الملايين في البطالة، فإن الأسواق المالية، خصوصا في أمريكا، قد ازدهرت، حيث إن مؤشر داو جونز مرتفع حاليا بمعدل 25 في المائة عن مستواه عقب انتخاب ترامب. وبينما يحدق خطر الإفلاس بآلاف الشركات في القطاعات المنتجة، فإن أسهم عمالقة تكنولوجيا الاتصالات، غوغل وآبل وفيسبوك وأمازون وميكروسوفت، قد زادت بـ20 بالمائة منذ أواخر مارس.
وقد حفلت الصحف والمواقع الإعلامية الجادة بأطروحات فكرية عميقة تتضمن اقتراحات عملية كفيلة بإصلاح النظام العالمي. واللافت أن معظم هذه الاقتراحات ليست بالجديدة في أساسها، لأنها مطروحة منذ أكثر من عقدين في كتابات المفكرين والاقتصاديين الممثلين لتيار «العولمة البديلة»، المناهض للإيديولوجيا النيوليبرالية التي تتحكم في الاقتصاد العالمي باستبداد ساحق، منذ حوالي أربعة عقود. وكان قد سبق لي قبل سنين أن تحاورت تلفزيونيا في هذا الشأن مع الاقتصادي الراحل سمير أمين، والمفكر إدغار موران الذي جدد، في حواره الشهر الماضي مع «لوموند»، التأكيد على أهمية تحرير الفكر العام والنظام الاجتماعي والاقتصادي من منطق الربحية العاجلة ومن ديكتاتورية الآنية الساذجة التي تعمي عن إدراك الجوهري، وعن فهم المحددات الحقيقية للمصير الإنساني.
وها هي البيانات تتوالى في الصحف الفرنسية مطالبة بالإعداد الجاد لما بعد أزمة كورونا، أي إصلاح النظام العالمي وتحرير المجتمعات من استبداد الأسواق المالية وعربدة الشركات العالمية المنتهكة لثقافات الشعوب وسيادة الأوطان. وكان أحدثها، الخميس الماضي، بيان مقتضب وبليغ يذكر الحكومات والمجتمعات بأن خطر الهلاك البيئي داهم وينذر من مغبة عودة حليمة إلى عادتها الاستهلاكية القديمة، فور انقضاء الأزمة. وقد وقّع على البيان، بمبادرة من الممثلة جولييت بينوش، علماء مثل الفيزيائي ألبرت فيرت وفنانون مثل روبرت دونيرو وجين فوندا.
ولكن الممثلة جان باليبار أعلنت أنه لا جدوى من الكلام عن عالم ما بعد كورونا، إذا لم تتم المسارعة أولا بمعالجة الأضرار الاجتماعية الحالية. ولهذا فإنها بادرت إلى جمع تواقيع حوالي 700 شخصية من أهل الثقافة والفنون، من أمثال المؤرخ جاك جوليارد والممثلات كاترين دينوف وفاني أردان وإيزابيل أدجاني، على بيان ينبه الرئيس ماكرون إلى أن الثقافة في خطر ويطالبه بتدارك النسيان الحكومي لقطاع الإبداع، الذي يمثل 2 فاصل 3 بالمائة من الدخل الوطني (أي حوالي 44 مليار أورو)، عند إعلان برنامج الدعم المالي للقطاعات الاقتصادية والشركات المتضررة من الأزمة. كما أهابت جمعية المخرجين الفرنسيين، في بيان آخر، بالرئيس ماكرون أن تكون عزيمته على قدر التحدي وذكرته بأن صلابة الإرادة السياسية، عقب الخروج من الحرب العالمية الثانية، هي التي أتاحت للسينما الفرنسية أن تكون أقوى نموذج مضاد للسينما الأمريكية.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى