
ربما كانت الكرة الأولى حجرة أو فاكهة جازف رجل بقذفها، ثم تكررت المحاولة، فولدت كرة القدم، كل ما يمكن أن يضرب ويتدحرج ويصير كرة، ولأن الناس يرون الشمس والقمر كيف يتدحرجان بيسر في قبة السماء ويرون عبقرية الجعل في صناعة كرة من الروث ودفعها بسهولة ويرون الحجر الملولب ينزل بقوة في منحدرات الجبال، فقد خلصوا بسرعة إلى ضرورة أن تكون الكرة مستديرة. قرون والكرة تحاول أن تبحث لها عن شكل حتى استقرت في كومة من الخرق تجمع وتشد لبعضها. ومن بعدها اهتدى اللاعبون لمثانة الخنزير وحيوانات أخرى، كانوا ينفخونها ويشدونها بأربطة. وفي القرن التاسع عشر سيخترع تشارلز جوديير الكرة المطاطية القابلة للنفخ، ومنذئذ تطورت الكرة حتى صارت من جلد بـ32 قطعة، ثم 20 قطعة إلى 12 قطعة. تضرب الكرة في اللعبة بلا رحمة ولا لباقة، تضرب بعنف في غالب الأحيان، وبرقة وحنان في حالات قليلة. تخضع الكرة لمشيئة رجل اللاعب وضربته الرأسية وقدرته على السيطرة عليها بصدره أو بركبته، لكنها تعمل لحسابها الخاص أيضا. الكرة هي ذلك التشابك بين الإرادة وقوانين الفيزياء والحظ، ولأنها مملوءة بالريح فطبعها هوائي لا رجل ولا مكان ولا سلطة ولا إرادة تبقيها في مكانها تستهويها. تهيم الكرة على وجهها بين الأرجل، فهي موضوع نزاع، ورهان تملك والكل يريدها. إنها أشبه بليلى التي الكل يدعي وصلها وهي لا تقر له بذاك. أسعدت الكرة شعوبا وحطمت قلوبا، وجعلت لاعبين يموتون واقفين، وأدخلت حشودا لاكتئاب جماعي، الحياة برمتها تكثفها بداخلها الكرة، بما فيها من تناوب رهيب للقانون والصدفة، للجهد والحظ، للجد واللعب. الكرة شريفة، يقول اللاعبون، إنها تكافئ المجهود والعرق، تعطيك حين تعطيها، تنصفك حين تتواضع، وتدير لك ظهرها حين تترفع. الكرة ملعونة، ومشتهاة، ومباركة، ومكروهة، وتهبك ثم تدير لك وجهها، تهيئ لك أجمل الانتصارات وتقودك إلى أفدح الخسارات. لا قانون يحكم الكرة في الواقع إلا قوانين الفيزياء: الحركة، الفعل ورد الفعل، والزخم. لا مشاعر بداخلها ولا عقد ولا تهيؤات ولا حزازات، بداخلها هواء مضغوط فقط يشتهي أن يتحرر، ولا شأن له بكل السعار الدائر حول الكرة.
الكرة هي الحركة، حين تدخل كرة مقابلة تعرف بأنها لن تثبت في مكان، لن تستريح، ستسلط عليها الأرجل والأعين، وستسير لكل مكان في الملعب، ستطير في السماء وستتمرغ في الأرض، وحتى حين تدخل الشبكة لن يدعها أحد تستريح، فسرعان ما تجري بها يد نحو منتصف الملعب.





