
عندما سمعت خبر تبني وزارة الصناعة والتجارة والاقتصاد الأخضر والرقمي لمشروع المخترع المغربي رشيد اليزمي لشحن السيارات الكهربائية تذكرت حكاية طريفة عبارة عن حوار بين مهندس عربي ومهندس ياباني.
سأل المهندس العربي المهندس الياباني عن السر الذي جعلهم كلهم في اليابان أذكياء بحيث تطورت في بلادهم الإدارات والخدمات.
فأجابه الياباني قائلا له :
-أنتم العرب أذكى منا.
قال المهندس العربي مستغربا :
-كيف؟
أجابه المهندس الياباني :
-من كل 10 يابانيين يوجد ذكي واحد، فيما عندكم يوجد بين كل عشرة عرب تسعة أذكياء وغبي واحد.
الفرق بيننا وبينكم هو أننا نختار الذكي الواحد لقيادة الإدارات والمؤسسات، فيما نعين التسعة الآخرين لكي يساعدوه. أما أنتم فتختارون الغبي الواحد لقيادة الإدارات والمؤسسات فيما تتركون الأذكياء بدون عمل، فيهاجرون نحو أوطان تقدر ذكاءهم. ولهذا السبب بالضبط تظنون أننا كلنا في اليابان أذكياء.
هذه الحكاية تلخص مأساة الكفاءات والأذكياء والمتفوقين في المغرب. فبسبب تسيد الأغبياء ومنعدمي الكفاءة وأصحاب الأدمغة الضئيلة والأنوات المتضخمة لمناصب المسؤولية هربت كل الأدمغة التي توفرت لها فرص الهجرة.
واليوم لدينا مغاربة في أكبر مراكز البحث العلمي، وفي محطات رواد الفضاء، وفي أكبر المستشفيات وأشهر المختبرات العالمية، حتى أن مصير البشرية في معركتها ضد وباء كورونا وضعه الرئيس الأمريكي بين يدي مغربي اسمه السلاوي.
لذلك فخبر تبني وزارة التجارة والصناعة لمشروع المخترع المغربي رشيد اليزمي لتطوير بطاريات للسيارات الكهربائية هو بداية صحوة حقيقية وتوجه رسمي نحو استعادة أدمغة المغرب المهاجرة للاستفادة من خبرتها وتجربتها واختراعاتها.
إنها رسالة سيلتقطها الآلاف من الباحثين والمخترعين المغاربة الذين يعيشون موزعين عبر قارات العالم، والذين يحلمون باليوم الذي يمد إليهم بلدهم يده لكي يعودوا إلى حضنه ويشتغلوا فيه ولصالحه.
وشخصيا أحلم بمدينة خاصة تمكن تسميتها بمدينة المخترعين على شاكلة وادي السيليكون في أمريكا، توفر فيها الدولة جميع وسائل العمل والبحث والإنتاج لكل من يحمل مشروعا يمكن أن يفيد المغرب والبشرية. ونحن في المغرب لا نعدم أدمغة وأذكياء ومتفوقين في كل المجالات ينتظرون فقط منحهم الفرصة لتفجير طاقتهم وإبراز مواهبهم.
علينا أن نفهم أن الثروة الحقيقية هي المادة الرمادية التي ينتجها الدماغ. وهذه المادة إلى حدود الساعة لا يستفيد منها المغرب بل إنه يهديها فوق طبق من ذهب للآخرين.
وإذا كان هناك في فرنسا من يصنف المغرب ضمن الدول المتخلفة بنصف قرن عن قطار التنمية فعلى هؤلاء الدارسين أن يكونوا منصفين وأن يعترفوا بأن فرنسا مسؤولة بشكل مباشر عن النزيف الذي يعاني منه المغرب في مجال هجرة الأدمغة، ففي كل سنة يتخرج حوالي 4 آلاف تلميذ من الأقسام التحضيرية، ويكلفون الدولة المغربية أكثر من عشرة ملايين سنتيم سنويا لكل تلميذ.
والملاحظ أن أول ما يقومون به مباشرة بعد التخرج هو الإعداد للمباريات الفرنسية، وكل سنة يهاجر نحو 250 تلميذا مغربيا متفوقا من الذين حصّلوا على النقط الأولى في مؤسساتهم التي يزيد عددها عن 13 مؤسسة بالمدن المغربية، التلاميذ المغاربة يحلمون بمدارس البوليتيكنيك أولا، ثم مدارس المعادن والقناطر، ثم مدارس ”المركزية” في باريس. وفي الغالب فهؤلاء الطلبة لا يعودون إلى العمل بالمغرب، نظرًا للأسباب التي شرحها المهندس الياباني للمهندس العربي.
إذن، ففرنسا هي المستفيد الأول من هذه التبعية لنموذجها التربوي الفاشل، تستفيد استراتيجيا من خلال صناعة النخب التي تدافع عن مصالحها، وتستفيد الآن اقتصاديا، ومن يطلع على لائحة طلبة مدارس عليا فرنسية شهيرة، سيكتشف أن ثلثي طلبتها من الأجانب.
فالتلاميذ الفرنسيون لم يعودوا يهتمون باللغات والعلوم، وتنافسية الاقتصاد الفرنسي، خاصة في الصناعات الجديدة، المرتبطة بما يسمى بـ”الذكاء الاصطناعي” هي تنافسية ضعيفة جدا، بسبب التدني الكبير لمستوى تلامذتها، لذلك تعمل جاهدة على استقطاب خيرة تلامذتنا، وأحيانا بمنح، وأغلب هؤلاء لا يعودون إطلاقا ليستفيد منهم المغرب.
والاستقطاب لا يتوقف فقط على التلاميذ، بل وعلى المهندسين أيضا، وهذا باعتراف وزير التربية الوطنية، والذي تحدث عن هجرة 600 مهندس مغربي سنويا، ونصفهم يستقر نهائيا في فرنسا، لتصبح فرنسا كما قلنا هي الرابحة الكبرى ويصبح المغرب هو الخاسر الأكبر.
والشيء نفسه ينطبق على الأطباء حيث هاجر 7000 طبيب مغربي إلى فرنسا أغلبهم من ذوي التخصصات.
فنحن نصرف أموالا طائلة على تعليم التلاميذ، وعندما يحصلون على الباكلوريا تستقطبهم فرنسا، ومن تبقى منهم، يكلفنا الملايير ليحصلوا على ديبلومات الهندسة والطب، وعندما يتخرجون يهاجرون.

