حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأي

قرابين ولد آدم

جهاد بريكي

كان الإنسان القديم مستعدا دائما لتقديم القرابين، محبة وخوفا وطمعا وتقربا، لمن اعتقد أن لهم يدا في تحديد مصيره، سعادته ويأسه، نصره وهزيمته، غناه وفقره. جريمة البشرية الأولى كانت بسبب قربان تقبل من أحدهم ولم يتقبل من الثاني. ثقافة القربان نشأت مع الإنسان والتصقت به، وكما كان حال الإنسان القديم، فحال الحديث ليس بالأفضل منه كثيرا، فالبشر الحيارى بعد قرون طويلة من التقدم والتحضر، ما زالوا يقدمون القرابين ليل نهار لمن يعتقدون أن بين يديه مصيرهم. وما زال ابن آدم يبحث عن القربان الأفضل للسيد والإله الأقدر.
أحمد مهندس شاب طموح، تسلق سلم الوظيفة بنشاط وخفة جعلت كل من حوله يتساءل كيف فعل ذلك، ليجد نفسه صاحب مكتب لطيف وشيء من السلطة في إدارة عمومية، تحكمها نعرات رئيس المصلحة وحالات مزاجه المتقلب؟ لقد قدم القرابين لبلوغ المجد، ولا شيء غيره. ضحى بشغفه للكتابة، عندما أيقن أن الكلمات لا تأخذ بيد صاحبها لقمة المجد. قدم ذلك قربانا من أجل شهادة جامعية، كان مقتنعا لزمن طويل أنها مفتاحه الوحيد لباب السعادة المنشودة. حصل عليها بعدما تنكر للقلم الذي ناداه دوما أن احملني واكتب، والمفاجأة أن السعادة بعد كل ذلك كانت لا تزال شبحا يصعب اللحاق به. كان يقدم القرابين تباعا لإلهه الجديد، الوظيفة الحلم. العائلة والحب والوقت والنوم واحترام الذات. نصب الكمائن والدسائس، قطع الأرزاق وأذاع الأكاذيب، اختلس وزور وباع واشترى. وجد لنفسه الأعذار والتبريرات، فالإله يطاع مهما كان الثمن، وكل شيء يمكن أن يكون قربانا إذا استدعى الأمر. ثم ها هو ذا اليوم يجلس وراء مكتب فخم، يأمر فيطاع وينهر فيلبي. وله إله جديد يتقرب له بما رغب وطلب. رئيس يعتقد أن جنة وجحيم موظفيه توجدان داخل أدراج مكتبه.
منى أيضا اعتراها نفس الخوف البشع الذي تنكمش لسطوته عضلة القلب، فتتحول إلى بقعة دم أسود. امرأة قدمت من القرابين الكثير دون تعداد، كمجموعة أحلام شهية ذبحتها جملة عند محراب إلهها الصغير، لم يكن هذا الإله سوى طموح الزواج بأي كان مهما كان، قبل انطلاق صافرة مغادرة القطار لمحطتها المهجورة. كانت تقدم القربان تلو الآخر، لتبلغ رضى إلهها الممجد، تزحف كسحلية في بلاطه الواسع، الوقت والجهد والراحة النفسية ونكران الذات والكرامة والإرادة والاستقلال. في صباح شتوي بارد وجدت منى نفسها في بيت مكفهر، رغم أثاثه الكثير، مع رجل يرى فيها غسالة أوان وملمعة صحون وقناة تنفس عن غلواء فحولته. هي لا تلومه، فلقد كان واضحا جدا عندما جاء بخالاته وعماته، يسقنها بضاعة مزجاة إلى بيته للعناية به. كل ما ينهكها هي الحيرة التي تفتك بها كلما أرادت أن تحدد بدقة، إن كان الإله الذي خضعت له هو الرغبة في الانصهار بجانب رجل يؤنسها، أم أنه لم يكن منذ البداية سوى المجتمع الذي أرادت نيل رحمته وتعاطفه؟
علاء أيضا تفتك به الحيرة نفسها، هل كان إلهه التنظيم الذي أفنى عمره في خدمته، أم قضيته في نصرة الحق؟ جامعي يدرس الحقوق ويبحث عنها، تلقفه زميل له يكثر من التطيب بالمسك ومضغ السواك. أخبره بصوت حزين عن أسفه لما آل إليه حال الأمة وفساد بناتها وشبابها، أبهرته لكنة زميله المتشبعة بالتفخيم والترقيق والإدغام والقلقلة. كان يبحث عن محراب لتمديد قرابينه ونحرها، فوجده. وجد تنظيما يخبره أن مطلق الحق له ومعه، وأن الاختلاف يفسد الود والقضية. فلا مكان لتقديم هوى النفس على رأي القائد. آمن وضحى بكل شيء، أمنه وسكينته، مرحه وموسيقاه، كتبه وفلاسفته، أهله وأقاربه. وجد علاء نفسه على سفح جبل شاحب في معركة لا يعرف سبب اندلاعها، يحمل سلاحا لا يعرف من أين جاءه ويطلق رصاصه لا يعرف من وماذا ستصيب.
تختلف القرابين التي نقدمها لاستجداء رحمة وعطف وحب من لا حيلة لهم، فنصنع الآلهة كل يوم، نطوف بها وندللها ونرعاها، عسى أن تجعل مصيرنا لطيفا سعيدا كأنثى لم يصدمها الحب بعد. وتبقى القرابين النازفة تطوف بأشباحها حولنا لتسألنا دون حاجة لها إلى جواب: هل كان إلهك يستحق كل هذه التضحية؟

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى