حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرأيالرئيسيةسياسية

ليلة النصر على هولندا


د. خالد فتحي

قلت في نفسي: سأشغل وقت الانتظار بمشاهدة مباراة البرازيل واليابان، ثم ألمانيا والباراغواي، عل الساعات تمضي أسرع قبل الموعد المنتظر. لكنني اكتشفت أن الزمن، حين نترقب حدثا كبيرا، يصبح أكثر عنادا؛ فكلما حاولت قتله، ازداد بطءا، وبدا اللقاء أبعد مما هو عليه.

خرجت أتمشى على ضفاف مارينا أبي رقراق، أستعجل المباراة بخطواتي. ما أجمل الرباط وهي تعيش هدوءها الواثق قبل انفجار الفرح الكبير. كان في داخلي يقين لا يتزعزع: سننتصر.

كانت الساعة تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل من يوم الثلاثاء. وها نحن في المقهى، مرابطون أمام الشاشة، نردد مع جماهير الملعب النشيد الوطني. لحظة تقشعر لها الأبدان، شعرت فيها أن المغرب كله التحم بالمكسيك، وأن القلوب، مهما تباعدت الأمكنة، أصبحت قلبا واحدا.

مع صافرة البداية وصلتني رسالة صوتية من صديق عربي يدعو فيها بالنصر للمنتخب العربي. كانت المرة الأولى التي يسمي فيها منتخبنا بهذا الاسم. ولم يكن وحده؛ فقد صار المغرب في تلك الليلة معشوق العرب والمسلمين والأفارقة، بل وكل من يعشق المستحيل. لم يعد أحد يريد لهذه الحكاية الجميلة أن تنتهي. صار منتخبنا أيقونة للمقاومة والإيمان، وصار السؤال الوحيد: ماذا ستبوح به عبقرية وهبي هذه المرة؟

كانت مباراة غريبة بكل المقاييس. والمفارقة أن كندا، التي كانت تنتظر الفائز في الدور المقبل، بدت أقل بأسا من منتخب الطواحين.

قبل نهاية الربع الأول، أطلق حكيمي قذيفة ظننا أنها ستستقر في الشباك، لكن الحارس الهولندي أبعدها بأعجوبة. دوى التصفيق، وتعالت الهتافات. حينها أدركت أن الذي كان يركض في الملعب لم تكن أقدام اللاعبين وحدها، بل قلوب ملايين المغاربة.

راودني شعور غريب بأن النصر مكتوب لنا. تذكرت ألمانيا التي أقصتنا من الملعب نفسه سنة 1986، ثم خرجت هذه المرة خالية الوفاض. قلت في نفسي: لعل الأقدار أرادت أن تكون نهايتنا على النقيض تماما. أعرف أن هذا ليس تحليلا كرويا، لكنه ذلك التفاؤل الذي يولد في لحظات الإيمان.

كانت المباراة رجولية، قوية، تكاد تبلغ حد الخشونة. هناك في هولندا استنفار أمني تحسبا لاحتفالات المغاربة أو ردود أفعالهم، وهنا في المغرب كان المزاج الشعبي قد عقد حلفا أبديا مع النصر.

في الدقيقة السابعة والثلاثين سالت الدماء من جبين لاعب هولندي. بدا المشهد طبيعيا، فالشرف الرفيع لا ينال إلا بثمن. كانت مباراة تشبه النهائي قبل أوانه. ولأول مرة فهمت، لا مجازا بل حقيقة، لماذا يسمى منتخبنا بأسود الأطلس. كانت الأسود تضغط، وتحاصر وتزأر… لكن هولندا باغتتنا بهدف عكس مجريات اللعب.

انتظرنا الرد، وتأخر الفرج. وكأن المنتخب كان يمتحن صدق محبتنا: أهو حب للأهداف والانتصارات، أم حب للوطن مهما كانت النتيجة؟

تلكأت في مغادرة المقهى. بقيت مرابطا، مؤمنا أن هذا المنتخب منذور للنصر، وأن قصته لم تنته بعد.

وحين سجل عيسى ديوب هدف التعادل، فهمت أخيرا لماذا ظل وهبي متمسكا به رغم الانتقادات. كأن تلك الرأسية كانت اعتذارا عن كل مباراة أعاد فيها الكرة إلى بونو بدل التقدم بها. هذه المرة اندفع إلى الأمام، وعاد من غارته الوحيدة بهدية تشبه قبلة الحياة.

من الذي ناداه إلى منطقة الجزاء؟ أهو الإلهام؟ أم أن نداء النصر أشرق في قلبه؟ أشياء كهذه لا تفسر، وإنما تعاش.

هل أحس بحدسه أنه سيكون المنقذ؟ ربما. وربما كانت الأقدار قد كتبت ذلك قبل أن تبدأ المباراة، وجفت الأقلام بما سيكون. فكيف لكأس العالم أن تحتفظ بكل سحرها إن غادرها المغرب؟

نأسف لشقراوات هولندا، لكن كم كانت جميلة تلك المسحة الحزينة في عيونهن. تلك من مفارقات كرة القدم؛ مشاهد لا يستطيع أعظم الأدباء أن يتخيلوها، ولا أمهر الرسامين أن يجسدوا دهشتها.

هدف في الدقيقة التسعين! أي سحر هذا؟ لكنه السحر الذي لا يحدث إلا لمن يرفض الاستسلام. تذكرت قول الشاعر:

حتى إذا استحكمت حلقاتها… فرجت وكنت أظنها لا تفرج

وتذكرت أيضا:

اشتدي أزمة تنفرجي… قد آذن ليلك بالبلج

ظهر وهبي على الشاشة، فارتفع التصفيق في المقهى، وتعالت الأصوات تناديه: «المعلم». كانت المرة الأولى التي أسمع فيها الجمهور يمنحه هذا اللقب.

ثم انفجرت الزغاريد. هدف التعادل في ذلك التوقيت كان ضربة قاضية للمنتخب الهولندي. أدرك لاعبوه أنهم أمام منتخب لا يعرف الانكسار، وأن المغرب يكبر كلما كبر خصمه.

امتدت المباراة إلى الشوطين الإضافيين، ثم جاءت ضربات الترجيح، بكل ما فيها من رهبة وجنون. أضعنا ركلات، لكن العناية الإلهية ظلت تظللنا. لم يكن المصنف السابع مستعدا للتخلي عن حلمه أمام المصنف السادس إلا بعد ملحمة ستظل تروى طويلا.

تقدم صيباري وسجل ركلة التأهل.

في تلك اللحظة لم نعد أفرادا، بل صرنا وطنا كاملا يحتضن نفسه.

خرجنا إلى الشوارع، فإذا الرباط قد تحولت إلى نهر بشري هادر. من أين جاء كل هذا السيل العرمرم من المغاربة؟ كأن المدينة كلها خرجت دفعة واحدة لتكتب فصلا جديدا من الفرح.

كانت التهاني تنهال على هاتفي من كل أنحاء العالم. سهرت حتى الصباح، ثم ذهبت إلى عملي من دون نوم، لكنني كنت أشعر بطاقة لا تنفد، وكأن روحا جديدة تسري في عروقي.

كانت ليلة بيضاء…

لكنها ستظل خالدة في الذاكرة إلى الأبد.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى