
في عالم يزداد امتلاء بالأخبار الثقيلة، تبدو لحظات الفرح الجماعي نادرة إلى درجة تجعل العلماء أنفسهم يدرسون أثرها على الدماغ. فالسعادة ليست شعورا عابرا فحسب، بل تفاعل كيميائي يعيد ترتيب الإنسان من الداخل؛ يخفف التوتر، ويمنح الأمل ويجعل المستقبل يبدو أقل قسوة.
في ليلة الانتصار على هولندا، لم يكن المغاربة يحتفلون بفوز في مباراة لكرة القدم، بل كانوا يعيشون واحدة من أكبر لحظات التفريغ النفسي الجماعي.
كانت الساعة تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل عندما انطلقت المباراة، بينما كان المنطق يقول إن الجميع ينبغي أن يكون نائما استعدادا ليوم عمل جديد. لكن المنطق يخسر دائما أمام كرة القدم حين تتحول إلى قضية وطنية. بقي الرجال والنساء والأطفال ساهرين، وكأن الزمن توقف مؤقتا. لم تعد الساعات تعني شيئا، ولم يعد الصباح سوى تفصيل مؤجل حتى تتضح نهاية الحكاية.
حين بدا أن الحلم يبتعد، بعد تلقي المغرب هدفا في مرماه والدقائق تسير بسرعة وفي الوقت بدل الضائع جاء هدف التعادل.. انفجر شيء أكبر من المدرجات وأوسع من حدود الملعب. في تلك الثواني لم يكن المغاربة يشاهدون هدفا، بل كانوا يستعيدون الإيمان بأن المباراة، كما الحياة، لا تنتهي إلا مع صافرتها الأخيرة. لذلك جاءت ردود الفعل عفوية إلى حد الهيستيريا؛ صرخات، دموع، أحضان وأناس خرجوا إلى الشرفات والشوارع وكأنهم يريدون أن يتأكدوا من أن الآخرين عاشوا المعجزة نفسها.
ثم جاءت ضربات الترجيح، ذلك الاختراع الكروي الذي يحول ملايين البشر إلى كائنات معلقة بين الأمل والخوف. مع كل تسديدة كانت البلاد كلها تتنفس معا، ثم تحبس أنفاسها معا. في لحظة واحدة قد يتحول اليقين إلى شك، ثم يعود الشك ليصبح يقينا. لم تكن الأعصاب وحدها التي تختبر، بل قدرة الإنسان على التمسك بالأمل حتى آخر ثانية.
ولعل أكثر الصور بلاغة في تلك الليلة لم تكن داخل الملعب، بل خارجه. بينما كان اللاعبون يتقدمون نحو الكرة، كان أذان الفجر يرتفع في عدد من مدن المغرب، متزامنا مع دعوات الأمهات والآباء والأجداد. اختلط صوت المؤذنين بالهمسات الخارجة من القلوب أكثر مما خرجت من الشفاه. وكأن الوطن كله تحول، للحظات، إلى دعاء واحد.
حين انتهت المباراة مع اقتراب الخامسة صباحا، لم يذهب المغاربة إلى أسرّتهم، بل إلى أعمالهم. كانت علامات السهر واضحة على الوجوه، لكن شيئا آخر كان أوضح منها: الابتسامة. ذلك النوع من الابتسامات الذي لا تصنعه القهوة، ولا تمنحه الإجازات، بل تولده لحظة يشعر فيها الناس بأنهم انتصروا معا، مهما اختلفت أعمارهم أو مدنهم أو ظروفهم.
لقد ربح المنتخب بطاقة العبور إلى الدور التالي، لكن المغرب ربح شيئا آخر لا يقاس بالنقاط ولا بالكؤوس. ربح ليلة ارتفع فيها «هرمون السعادة» إلى مستويات استثنائية، ليلة أثبتت أن فرحة وطن كامل قادرة، ولو لساعات قليلة، على أن تهزم التعب، وتؤجل النوم وتجعل الصباح أكثر إشراقا.





