
لم يحظ أي قائد عسكري ألماني بتقدير وإعجاب من أعدائه قبل مواطنيه مثل المارشال إرفين رومل، إلى حد إطلاق اللقب الشهير عليه «ثعلب الصحراء». لما أبدعه من خطط حربية وأساليب في الحرب الهجومية المستمدة من ابتكاراته في الخطط المبتكرة للحرب الخاطفة، وطريقته في المناورة والدفاع، رغم نقص العتاد الحربي وضعف الإمدادات، وقدرته على الانسحاب في الوقت المناسب، أو التمركز الجيد في مواجهة القوات المعادية.
ظهرت براعة رومل في بداية الحرب العالمية الثانية، وبالتحديد في الغزو الألماني السريع الشهير لفرنسا، وقد كان حينها قائدا للفرقة السابعة المدرعة، أبان خلالها، رغم وعورة التضاريس والموانع الطبيعية، عن أن يشق طريقه بالمدرعات أسرع مما كان متوقعا. نال إثرها رومل الكثير من الإشادة من القيادة العسكرية، وخاصة من الزعيم النازي أدولف هتلر.
كانت الحرب العالمية الثانية بداية من سنة 1941، ومع الغزو الألماني للاتحاد السوفياتي في العملية المسماة بارباروسا، وانهيار الجيش الإيطالي في ليبيا أمام الهجوم البريطاني الذي يهدد باكتساح شمال إفريقيا، قررت ألمانيا إنشاء فيلق خاص سمته الفيلق الإفريقي الألماني، لدعم حليفه الجيش الإيطالي، بعد هزائمه المتتالية أمام الجيش البريطاني، وإحكام السيطرة الألمانية على الضفة الشرقية للبحر الأبيض المتوسط.
أسندت قيادة الفيلق الإفريقي الألماني للمارشال إرفين رومل، الذي حقق انتصارات سريعة في معارك متتالية أرغمت الجيش البريطاني، رغم أعداد جنوده الغفيرة من قوات الكومنولث ووفرة إمداداته، على الانسحاب إلى مصر.
كان الجيش الثامن البريطاني هو القوة الرئيسية المدافعة عن مصر والشرق الأوسط يتقهقر إلى الوراء في ارتباك إلى العلمين، جنوب الإسكندرية، بعد خسارة كبيرة في المقاتلين والمعدات العسكرية، وكميات كبيرة من المؤن والذخائر، وأهم من ذلك خسارته لحصنه الرئيسي ميناء طبرق الذي وفر لرومل ميناء مهما لتحقيق زحفه على مصر.
ساد الهلع والشك لدى قوات الحلفاء في قدرة القيادة البريطانية على صد رومل في العلمين، بل أخلت البحرية البريطانية أسطولها من الإسكندرية وتراجعت إلى البحر الأحمر، وبدأت السلطات البريطانية في القاهرة بحرق أرشيفها. واعتبرت الولايات المتحدة الأمريكية أن رومل سيستولي على القاهرة في غضون شهر، وأنه قريبا سيسيطر على مركز الإمدادات في الشرق الأوسط في منطقة قناة السويس.
وبعد طول انتظار شن البريطانيون هجومهم المضاد في العلمين. فدُمّرت قوات رومل فيلق إفريقيا، في ما ثبت أنها إحدى المعركتين الحاسمتين في الحرب العالمية الثانية، كانت الأخرى هي الهجوم السوفياتي المضاد في ستالينغراد، وبدأ الإنزال العسكري الأمريكي في المغرب.
واقتنع رومل أن صعوبة موقفه العسكري مع قلة المحروقات وطول خطوط إمداداته التموينية والعسكرية، تجعل من مواجهته للقوات البريطانية لا جدوى منها، فقرر البدء في انسحابه الطويل إلى تونس، تحت مطاردة الجيش البريطاني وقواته الجوية الكثيفة. وبدأ رومل انسحابه الطويل إلى تونس، وأظهر فيه براعته في المناورة واستخدام أساليب في الخداع والتضليل.
كان رومل يمتلك أسلوبا فريدا في القيادة غير معتاد في القادة العسكريين، فقد كان يشارك جنوده تناول الطعام ويقود مركبته العسكرية بنفسه، ويتقدم أحيانا إلى الصفوف الأمامية، كما كان مشهورا بطاقته وحيويته الكبيرة، إذ يستيقظ مبكرا ويتنقل بين الخطوط الأمامية بمفرده، ويواصل عمله حتى وقت متأخر من الليل بين خرائطه وخطط عملياته العسكرية.
استدعي الجنرال إرفين رومل إلى ألمانيا ليتقلد مهمة أخرى أكثر خطورة، تتمثل في الاستعداد والتخطيط للدفاع عن سواحل فرنسا ضد الإنزال العسكري للحلفاء في النورماندي.
أما الفيلق الإفريقي بعد مقاومة شديدة، فقد استسلم للجيش البريطاني وحلفائه، وكانت هذه أول هزيمة كبرى لألمانيا النازية، تليها هزيمة ستالينغراد، ما فتح الباب أمام نهاية الحرب العالمية الثانية، وبدء منعطف تاريخي بكل تحولاته ومساراته الجديدة.





