حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةسياسية

تجليات المشروع الإيراني في لبنان …تهاوي شعارات الوحدة والعروبة وانكشاف الحقيقة بسوريا 2.2

تجليات المشروع الإيراني في لبنان



خلصت التجربة الإيرانية في لبنان اليوم إلى مزيد من الاهتزاز الإيديولوجي، ينكفئ مع خسائره المتوالية في الرأي العام العربي والإسلامي، فيتجه، راضياً أو مضطراً، نحو مزيد من استنفار العصب الشيعي. الأمر الذي يتسلل بشكل متنام وخطير إلى قواعد نفوذ إيران في لبنان والعراق. كان الإيحاء الإيراني أن ما يجري في سورية هدفه كسر شوكة الشيعة. وذلك من خلال الماكينة الدينية والثقافية التي تديرها مؤسسات إيرانية دينية وسياسية وتسيطر على معظم المنابر الشيعية.

علي الأمين
رئيس القسم السياسي في جريدة البلد اللبنانية

إنها خيبة انكفاء المشروع الإيراني في ساحة إسلامية شيعية مستلبة ومربكة، من هدف توحيد الأمة ونهضتها إلى الوقوف خلف مقولة الخطر السني القادم على الشيعة وسواهم من الأقليات في المنطقة العربية. ومن الدعوة إلى إشراك كل عناصر القوة بالأمة العربية والإسلامية في تحرير القدس، إلى التشكيك بمصداقية وصدق كل عربي ومسلم لا يسلم بكامل تفاصيل المشروع الإيراني وقيادته لعملية المواجهة مع العدو. وحمّى العصبية المذهبية تستكمل مهمتها مع الثورة السورية، وتبدأ بنشر ثقافتها وقيمها في دوائرها لتزيد من انغلاقها، وتعمد إلى نبذ عملي لكل سلوك وحدوي.

هذا في الواقع ومن خلال رصد الكثير من النقاشات في دوائر شيعية موالية للمشروع الإيراني في امتداداته العراقية واللبنانية، وفي محاولة بائسة لتبرير تأييد نظام الرئيس بشار الأسد في معركته ضد الثورة الشعبية في سورية. هو الشعور المرضي بالتفوق، أو الاستعلاء الذي يصل حد الاعتقاد الواهم بأن المواطن الشيعي الموالي أو المؤيد لهذا المشروع (والعلويين أخيراً) هو الأكثر صدقاً وإخلاصاً في الدفاع عن قضية فلسطين وأكثر إدراكاً لمصلحة الفلسطينيين حتى من الفلسطينيين أنفسهم، وهو بالتالي من يحق له وحده تحديد المخلص والمتآمر. وهو سلوك ومنهج وطريقة وحيدة لتبرير الجرائم التي ترتكب ضد الشعب السوري لدى فئات مجتمعية.

وأولئك المواظبون ليل نهار على تصعيد الحالة المذهبية والغرق في ثقافتها، واستحضار أدبيات الخوف من المذاهب الأخرى، باتوا في صلب المشروع الإيراني يعمدون إلى توثيق خبيث لعقيدة ظهور الإمام المهدي، وهي مقدسة لدى المسلمين الشيعة. هؤلاء ينشغلون في تفسيرات وإسقاطات لتبرير مواقف سياسية آنية وظرفية، ولإسقاط المسؤولية الدينية والإنسانية عن هذا الدم النازف من الشعب السوري، إلى حد تبريره. لعلهم يلتفتون إلى أن منسوب العداء تجاه فئات واسعة من الأمة العربية والإسلامية وتجاه شركاء في الحيز الوطني، بات عملياً يتجاوز العداء لإسرائيل. وباتت إسرائيل فعلياً في الوعي المذهبي للشيعة التابعين لإيران أقل خطورة من الآخر المسلم أو الخصم السياسي الوطني. وجواب الكسالى والغارقين في عصبيتهم جاهز «إنهم يكرهوننا».

 

خطاب الأفول في زمن الذبول

في الخطاب المتداول اليوم لدى أنصار المشروع الإيراني في لبنان والعراق.. بات مبرراً، في زمن الحمّى المذهبية، أن تقوم في سورية دولة علوية، والذريعة قائمة: يريدون أن يقتلوننا. وتتهاوى كل أدبيات الوحدة وشعارات الأمة والعروبة وتتلاشى كل خطابات التحذير من الاستعمار الذي يريد أن يقسم بلادنا إلى دويلات مذهبية.

وليس بعيداً أن إيران تريد أن تحدد للشعب السوري أولوياته. تريد له أن يسلم بالنظام الاستبدادي فقط لأن هناك شبهة تقول إن هذا النظام معاد لمخططات هذا الغرب ولإسرائيل. ولو افترضنا ثبوت هذه الشبهة، فمن قال إن الشعب السوري يقبل بمصادرة حقوقه السياسية وحقوق المواطنة في سبيل هذا العداء؟ ومن قال إن فلسطين ثمنها الاستبداد، والتحرير ثمنه مصادرة الدولة والمجتمع؟ بل من قال إن أولوية تحرير فلسطين تتقدم على حرية الشعوب؟ وأكثر من ذلك من قال إن فلسطين يمكن أن تنالها شعوب مكسورة ومقيدة ومصادرة ومسلوبة الإرادة؟

إنها حمّى المذهبية التي لا يمكن الحد من مخاطر النافخين بها في منطقتنا إلا بالانحياز إلى القيم الإنسانية والدينية وقيم المواطنة والانحياز إلى الحق والمظلوم كما قال إمام البلاغة والمتقين،، الإمام عليّ، في وصيته لولديه الحسن والحسين: «كونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً».

فليس من مسوغ أخلاقي أو ديني أو قومي أو وطني يمكن أن يبرر مقتل عشرات الآلاف من المواطنين السوريين. فالمشهد السوري، مهما جرت محاولات زجه في صراعات إقليمية، لا يخفي الصورة الحقيقية التي مفادها أن ثمة شعباً أراد التخلص من نظام مستبد وناضل من أجل نظام ديمقراطي تعددي. هذه الحقيقة لم تتغير رغم محاولات وضع المشهد في أبعاد إقليمية ودولية وقومية أو طائفية لتبرير هذا الحجم الهائل من القتل والتدمير «الأسدي». فإرادة التغيير والخلاص الثابتة والمتصاعدة لدى الشعب السوري رسخت الصورة: نظام الأسد طائفي ولا قضية له إلا السلطة.

هذه الصورة قوّضت صورة أخرى كانت قائمة أيضاً، قوّضت المسألة الإسلامية في المشروع الإيراني. فأي إسلام يمكن أن تتحدث عنه إيران وحزب الله في سورية؟ لأن الصحوة الإسلامية التي طالما بشرت بها القيادة الإيرانية مع بدء الربيع العربي، انكفأت عن خطابها. فالحركات الإسلامية في دول الربيع العربي وفي العالم الإسلامي عموماً أعلنت انحيازها إلى الثورة السورية، والإسلاميون الفلسطينيون حددوا موقفهم وتبرؤوا من العلاقة مع النظام السوري. ليس هذا فحسب بل باشروا عملية الخروج من الصورة الإسلامية الإيرانية، وصارت لهم رؤى أخرى ويتجهون في مسار الربيع العربي. والشعوب العربية والإسلامية عموماً تعبر عن انحيازها إلى الشعب وثورته.

 

تداعي المنطق الإسلامي                     

المسألة الإسلامية تتداعى والصراع على الصورة سقط ليبرز نظام مصالح وموازين قوى صارخة. فنهر الدم أفقدها المشروعية الأخلاقية والدينية.

(نذكر هنا أن المراجع الشيعية في العراق نأت بنفسها عن إضفاء شرعية على ممارسات النظام السوري). ما جرى في سورية ليس تكراراً لصورة الحرب التي شنها العراق على إيران في العام 1980. ففي تلك الحرب، ورغم شراسة الهجمة الدولية والعربية على إيران، بقيت الجمهورية الإسلامية بقيادة الخميني طيلة الحرب تلقى تضامناً وتقبلاً لموقفها من الحرب من أوساط إسلامية سنية واسعة، ولم يفتقد الموقف الإيراني المشروعية الأخلاقية ولا الدينية فضلا عن المشروعية القومية. ولم يحدث خوض الحرب فرزاً مذهبياً سنياً وشيعياً. بل كان ثمة مشروع إسلامي صاعد له مؤيدون ومعارضون من السنة والشيعة وغيرهم.

اليوم لم تسهم صفة الممانعة ولا العداء لإسرائيل في المحافظة على الجمهور العربي والإسلامي ضمن دائرة المتضامنين والمنخرطين في المشروع الإيراني في المنطقة. هذه الدائرة تتغير في النوع وتضيق في الحجم. فالرأي العام الإسلامي حسم موقفه وانحاز إلى صورة الثورة السورية. والرأي العام الإسلامي يبحث عن جديده خارج إيران، والرأي العام الشيعي، الذي يستند إليه الموقف الإيراني في سورية، بدأ يتلمس أسئلة لا أجوبة عنها، أسئلة القلق من الفتنة المذهبية المتربصة خلف الصورة المتداعية.

وكلما مر الوقت اتضحت أكثر العلاقة العضوية بين النظام السوري وإيران، واتضح أكثر أن إيران منخرطة في المواجهة السورية، وتنذر التطورات الميدانية وسقوط مقاتلين لحزب الله في مناطق حدودية داخل سورية بمزيد من الانخراط.

لم يعد الشرخ المذهبي كابحاً، ولا القتل المتمادي من قبل النظام السوري سبباً يمكن أن يعيد ترتيب أولويات السياسة الإيرانية، لا في سورية ولا على مستوى الموقف الإسلامي العام.

 

لنعد إلى لبنان

دعم «النظام السوري» والانخراط في المواجهة الدموية كان بمثابة إنذار بمزيد من غرق حزب الله في الرمال السورية، ومن تهاوي المشروعية الإسلامية لموقف دولة كانت تطمح أن تكون محوراً جامعاً وقائداً لنهضة إسلامية. في سورية تتفوق المصالح الإقليمية الإيرانية على ما عداها. مصالح أكدت التغيير في وظيفة حزب الله المعلنة. وكلما تطورت المواجهات نحو إسقاط النظام اتضحت أكثر الوظيفة الإيرانية الصافية لوجود حزب الله.

وتداعيات الانخراط الإيراني في المواجهة بين النظام والمعارضة أسقطت الصراع على الصورة. تهاوت صورة الوحدة الإسلامية ونصرة المستضعفين والانحياز إلى خيارات الشعوب. حاولت إيران دعم النظام السوري، لكنها خسرت سورية وثورتها والأهم خسارة الصورة تلك التي أطلقها الإمام الخميني مبشراً بصحوة إسلامية ذات يوم في العام 1979 محورها إيران. وها هي اليوم توأد في سورية بأيدٍ إيرانية.

نذكر هنا أيضاً أن «حزب الله»، أو درة التاج الإيراني أو العمامة الإيرانية في لبنان والعالم العربي، في هذا السياق، هو آخر المعترفين بالانخراط العسكري في سورية، بعد الإعلان الروسي عن دعم النظام السوري، وبعد إعلان أكثر من مسؤول عسكري إيراني عن وجود عسكري إيراني في المدن السورية.

وإلى العراق نرى أن اللاعب الإيراني ما زال الأكثر فعالية وقدرة على رسم الخطوط والتحالفات العراقية وما زال المتقن لإدارة الصراعات واختلاقها والقادر على التحكم بنتائج الانتخابات ومرشحي رئاسة الوزراء، وقد أثبت أنه قادر على الاستمرار في التحكم بلعبة توجيه وتعبئة الساحة الشعبية من دون أن يبذل كثيراً من الجهد… والبراغماتية الإيرانية في العراق تتلخص في الاستمرار حتى النهاية في دعم حلفائها واستنفاد جميع الوسائل في تعزيز أوضاعهم الانتخابية والسياسية لتفادي الدخول في تجاذبات وصراعات غير محسومة النتائج مع الأطراف الدولية. وهي أطراف قادرة على إثارة الهلع لدى أي فريق سياسي شيعي من مجرد التفكير ببناء تحالف مع أي طرف عراقي خارج الدائرة الإيرانية المرسومة.

وفي مداخلة تنم عن اعتراف جريء، قدّم النائب في كتلة الوفاء للمقاومة وعضو قيادة حزب الله، الدكتور علي فياض، رأيه في الإشكاليات القائمة على الساحتين اللبنانية والعراقية، في لقاء جمع مستشار رئيس الحكومة العراقية عبد الحليم الزهيري والنائب محمد رعد، وغيرهما من قيادات حزب الدعوة العراقي أمل وحزب الله في بيروت، إذ قال: «هناك أعراض سلبية في العالم العربي وتناقض سني شيعي يمكن أن يولّد صراعاً دولياً. وهناك انهيار لمفهوم الدّولة إن كان في العراق أو في لبنان، ونحن لا ننكر أننا تمكّنا من تحقيق انتصارات ولكن ليس لدينا غير دول فاشلة هنا وهناك وربما سورية تسير في ذات الطريق، وأنا أرى أن هناك تحدّيات استراتيجية تهدد إنجازاتنا. ولا ننسى الشعور العام السنّي الذي ينتظر انتصاراً في سوريا لإعادة التوازن لصالحه، كما يتأملون. لذلك يجب القيام بإجراءات ومقاربات أعمق من موقع المسؤولية الشرعيّة تأخذ في الاعتبار الوحدة الإسلامية من أجل تلافي الصراع السنّي الشيعي». (البلد 7 غشت 2012).

ليس ما قاله فياض عادياً. إنّه إقرار غير مباشر بأنّ تقدم المشروع الإيراني كان متلازماً مع تقويض الإجماع الوطني، وما الدول الفاشلة إلا للتعبير عن عدم إعطاء الجبهة الداخلية أي أولوية في هذا المشروع، أولها بناء الدولة الوطنية وتحصينها على حساب الولاء العابر للدول، الولاء للولي الفقيه.

يجب القيام بإجراءات ومقاربات أعمق من موقع المسؤولية الشرعيّة تأخذ في الاعتبار الوحدة الإسلامية من أجل تلافي الصراع السنّي الشيعي، نقول من بعد الدكتور علي فياض… ونزيد: سوريا هي البوصلة اليوم… وتاريخ الشام لن يغفر لمن صنعوا نهراً من دماء أبنائها.

 

نافذة:

من قال إن فلسطين ثمنها الاستبداد والتحرير ثمنه مصادرة الدولة والمجتمع؟ بل من قال إن أولوية تحرير فلسطين تتقدم على حرية الشعوب؟

 

حاولت إيران دعم النظام السوري لكنها خسرت سورية وثورتها والأهم خسارة الصورة تلك التي أطلقها الخميني مبشراً بصحوة إسلامية عام 1979.

 

 

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



زر الذهاب إلى الأعلى