الرأي

الانهيار الداخلي يمهد للاجتياح الخارجي (2- 2) 

بقلم: خالص جلبي 

إن ما رأيناه ليس غيبيا أسطوريا، بل عشناه بأعصابنا وما زلنا ندفع ثمن فواتيره المركبة. إنه من الضروري التأسيس لفهم لماذا ولدت إسرائيل، وكيف تحدث مثل هذه الأشياء في التاريخ؟ إن هذا التأسيس ضروري لوضع اليد على تشخيص مجدي، واقتراح علاج ناجع لمشاكلنا. إنها مشاكل لن تحل بالصلح مع إسرائيل (والتطبيع) كما لم تحل بالحرب معها؛ لأن أعظم حرب نشنها هي ضد المواطن العربي، وما لم ندرك هذه الحقيقة فنحن كما يقول الإمام الغزالي: «كمن يستدبر المغرب وهو يطلبه».
إننا بالصلح مع إسرائيل وحل مشاكلنا عن طريق مجلس الأمن وسواه، نفعل كما قال الشاعر: «أمر أمير الأمراء بحفر بئر في الصحراء، كي لا يشرب أحد ولا يخرج ماء»، إنه مثل السراب البقيعة يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب.
إن إسرائيل وكل المنطقة تخشى من الانتفاضة (فهي بركان ينفث الحمم من حين لآخر)، ولكنها تطوق بمفاوضات السياسيين كل مرة، لأنها تبعث على الجزع للجميع، فقوة الجماهير لا تقهر وفيها خطر العدوى للجوار. ولذلك فإن الجميع يحك على رأسه خوفا من هذه الظاهرة، فعندما تتحرك الأمة تكون أشبه بالإعصار المزلزل تدمر كل شيء بأمر ربها. وفي حرب الخليج الأخيرة لم يكن الفيتو في مجلس الأمن، بل كان عندنا في الشرق الأوسط.
إن الفلسطينيين والسياسيين منهم يتلمظون لدولة تكون لهم، ولكن عليهم أن يتذكروا موعظة موسى عندما قال له قومه: (أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا)، كان جوابه: (عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون).
إن هناك احتمالا ليس بالضعيف أن تنشأ دولة عربية جديدة بكل إرهابها وقمعها للمواطن، فتزيد الدول العربية دولة وتزداد محنة المواطن العربي درجة، وتغص السجون بالمعتقلين ويتوقف الأطفال عن رمي حجارتهم ويعودوا إلى بيوتهم، فهناك من يفكر عن القاصرين. والعبرة هي ليست بالاستخلاف، ولكن بماذا ينتج عنه، فهذا هو التحدي الصعب أمام الفلسطينيين. وهناك دول عربية تخلصت من الاستعمار، ولكنها تعيد سيرة الاستعمار على شكل أبشع. وكما يقول غاندي: «لا يهمني نوع الطاغوت الذي يحكمني، هنديا كان أم بريطانيا»، ومن هنا فإن دعوة الأنبياء كانت إلى تحرير الإنسان.
والآن إلى الخلاصة الفلسفية ما هو السبب خلف سقوط غصن وتفشي مرض أو انفجار ثورة وتفكك دولة وتحلل حضارة؟ هل هناك رؤية مشتركة لفهم خلفية هذه الواقعات غير المتشابهة، وهل يمكن وضع اليد على قانونها المهيمن؟
مع مواجهة كل أزمة تاريخية يطيب لنا توجيه أصبع الاتهام إلى العدو الخارجي. إن هذا الضرب من التفكير مريح، ولكن مشكلته أنه لا يقود إلى حل إلا بإلغاء كل الحلول، طالما كانت ذواتنا مبرأة من الخطأ، خارج حقل المشكلة، لا تقترب منها يد التشريح، ولا تلامسها أدوات السبر، واستمر الخطأ يقود إلى مزيد من الخطأ بتعطل آلية تصحيح الخطأ.
في مستوى الطبيعة يطرح السؤال نفسه ما الذي يتسبب في سقوط الأوراق؟ لو كان الريح سببا لسقطت كل الأوراق، ولما سقطت بدون ريح في فصل الخريف، فلا عنفوان الريح أسقط كل الأوراق، ولا هدوءها حماها من التهاوي. والبحث الأعمق يصل إلى اكتشاف عنصر خفي لا تراه العين هو قوة ارتباط الورقة بالشجرة. فالعنصر الخارجي لعب دورا واضحا، ولكن النخر الداخلي مختبئ لا يطل برأسه، إلا بالبحث المنظم المعمق السببي.
العامل الخارجي يتضافر مع العامل الداخلي في ولادة الحدث، ولكن العامل الداخلي هو الذي يهيء الظروف الموضوعية لولادة الحدث وسقوط الورق. إن فلسفة القرآن تؤسس لفكرة لم يعتد عليها الناس وهي (ظلم النفس)، فالناس مستعدون أن يلوموا كل شيء إلا أنفسهم، والقرآن يقلب عقولنا بتأسيس طريقة جديدة لمواجهة المشاكل أن نلوم أنفسنا أولا (وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون).
إن كثيرا من شرائح المفكرين والسياسيين عندهم الاستعداد للوم كل القوى كتفسير لعجزنا من الصهيونية والماسونية والاستعمار والصليبية والشيطان، بل وحتى إحالتها في النهاية إلى مصدر يخرس كل متحدث، عندما تنسب فضائحنا اليومية إلى إرادة الله. ولكن الحقيقة هي أن الضعفاء هم الذين يخلقون الأقوياء، والمستضعفين هم الذين يوجدون المستكبرين، وأن مصائبنا بما كسبت أيدينا. والأمم الهزيلة هي التي تنبت الطواغيت، والمستنقع هو الذي يولد البعوض، والغربان تحط على الجثث الميتة، والنمل يتجمع على جثث الصراصير، والصهاينة تم توطينهم بين قبائل عربية مشرذمة، والقابلية للاستعمار هي التي تقول للاستعمار: «أنا هنا تعال فاركب على رقبتي»، والدول تنهزم بتفككها الداخلي، وانهيار الحضارات يتم بعلة الانتحار. هذا القانون يمسك بإحكام جنبات الوجود بوتيرة مكررة، بدءا من الذرة إلى المجرة، مرورا بصحة النفس وفعالية المجتمع وقوة الدول وازدهار الحضارات، ومن أبسط الأفكار إلى أعظم الإمبراطوريات.
تروي القصة أن المؤذن خرج لصلاة الصبح متأخرا، فاجتمع بالناس في الطريق وقد بزغت الشمس، فلما سألوه، قال: «أنا حضرت حسب الموعد، ولكن الشمس خرجت اليوم مبكرا».
إن هذه القصة تحكي أزمة ثقافتنا؛ فنحن على استعداد لتوريط الكون في تناقضات، على أن نراجع أنفسنا في سبب الذل الذي يصب على العالم الإسلامي مع كل شروق شمس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى