الرأيكتاب الرأي

انزل شكون قالها لك

يونس جنوحي
رحم الله المهدي المنجرة، فقد عرف هذا الرجل ما ينتظر هذا البلد من امتحانات وما سوف يعيقه من صعوبات. وظل الرجل يكتب طيلة حياته عن المستقبليات، ويضع مظاهر الأزمة ويرسم ما سوف تؤدي إليه من تشوهات وتشنجات. وقيد حياته كان الرسميون يطلقون عليه لقب «المُنجم»، بينما الرجل لم يكن يضرب الخط الزناتي أو يقرأ الفناجين، وإنما يُمغرب معطيات الخبراء العالميين الذين وضعوا أسس علم المستقبليات.
انتشار وباء كورونا عرى هشاشة السياسيين جميعا وافتقارهم إلى الآليات، والأطر التي يجب أن يعول عليها المغاربة لتجاوز هذه الأزمة.
هل لدينا اليوم قادة أحزاب سياسية قادرون على وضع دراسة في زمن قياسي، بل وتنزيلها على أرض الواقع، لإنقاذ الاقتصاد وضخ أموال الاستثمار حتى لا تتبخر مناصب الشغل؟ كل ما قام به رئيس الحكومة حتى الآن، هو إعلانه إغلاق باب التوظيف في القطاع العام، باستثناء التعليم والصحة.
وإذا دققنا في قضيتي التعليم والصحة، سوف نجد أن التوظيف في قطاع التعليم يمر عبر التعاقد، وليس التوظيف المتعارف عليه عبر العالم. وهذا يعني أنه توظيف غير مكتمل، وكلنا طبعا نعلم الأسطوانة القديمة والجدل الذي رافق الإعلان عن التوظيف بالتعاقد ومشاكله التي لا تنتهي، والتي جعلت أكاديميات التعليم في قلب العاصفة.
خسرنا ما معدله مليار درهم يوميا أثناء فترة الحجر الصحي، وهو مبلغ ضخم. وبلغة الأرقام فإننا أمام كلفة للحجر الصحي وصلت حتى الآن إلى ما معدله 6 في المائة من قيمة الناتج الداخلي الخام.
وهذا يعني حسب عدد من الاقتصاديين المغاربة، منهم منخرطون في حزب رئيس الحكومة، أن المغرب تنتظره أيام عصيبة، الله وحده يعلم كيف ستدبرها الحكومة، إذ إن امتيازات البرلمانيين وتعويضاتهم لا يمكن أن تكون موضوع نقاش في سياسة التقشف المحتملة، والتي بالمناسبة شرعت جل دول العالم في تطبيقها لإنقاذ الميزانية، أو ما تبقى منها.
لا نقول هذا الكلام تحاملا، فالتجارب السابقة أكدت أنه من المستحيل أن يتنازل هؤلاء الناس عن فلس واحد من امتيازاتهم، ولا يثار هذا الموضوع أصلا إلا في الحملات الانتخابية ومناسبات تبادل اتهامات الفساد ومحاضرات الفضيلة والشرف في المهرجانات الخطابية.
ألم يستنكر رئيس الحكومة السابق الدعوات التي طالبت بتغيير أسطول السيارات الحكومية، كما فعلت دول كثيرة وجعلها من الصنف الاقتصادي، توفيرا للمصاريف خلال الأزمة الاقتصادية العالمية، وظهر بالواضح أن ما حرك عددا من السياسيين وأدخلهم الحكومة والمناصب، هو أساسا السعي وراء تلك الامتيازات وتوزيعها على الأعضاء وذوي القربى.
اختفى جل السياسيين قبيل دخول المغرب في فترة الحجر الصحي، ولم نسمع لهم أثرا إلى اليوم، رغم أننا مررنا بعدد من النقاشات الحاسمة حول الاقتصاد وتدابير السلامة، بل والتبرعات لإنقاذ الفئات الهشة. أثير موضوع صندوق الضمان الاجتماعي والأرامل والتلاميذ ومنح الطلبة وعدد من الملفات، التي تمس جميع الفئات العمرية في المغرب، ولم نسمع صوتا لبعض السياسيين الذين اختفوا تماما رغم أنهم قضوا سنوات طويلة في التهام ميزانيات من المال العام، باعتبارها تعويضات عن تحمل المسؤولية.
وهناك من راكموا ثروات مهمة من وراء المناصب السياسية، لكننا لم نسمع لهم صوتا ولم نر أسماءهم في لوائح المتبرعين لصندوق «كورونا».
العالم الآن يتجه نحو ما يسمى «المؤهلات الذاتية» للتنمية، أي إن الحكومات تفكر حاليا في دعم القنوات البديلة في الاقتصاد، والتي تقوم على أنشطة الأفراد الذين يستثمرون أصلا في الأفكار والخدمات. وهؤلاء يخففون ثقل الطلب على التوظيف. لكن بالمقابل، تدفع الحكومات في اتجاه تمتيع هؤلاء الشباب بالإعفاء الضريبي، بينما عندنا يثقلون كاهل كل من يحاول رفع رأسه لاستنشاق الهواء، بهراوة من التعقيدات التي تجعله يعود إلى القعر مجددا، تطبيقا للقاعدة المغربية القديمة: «انزل شكون قالها لك».

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق