الرأيزاوية القراء

باعة العرق

حسن البصري
أن تصبح وكيلا للاعبين تبيع المواهب في «ميركاتو» الصيف والشتاء، وتعرض الأقدام المستعملة للبيع تحت جنح الظلام، فالمسألة بسيطة لا تحتاج منك اليوم إلا رصيدا كافيا من التعبئة الهاتفية وشبكة علاقات وذراعا إعلامية تقيك من غارات أقلام تفسد البضاعة.
في تجارة العرق لا وجود لسقف أسعار، ولا مستودعات لتخزين اللاعبين والمدربين ولا رسومات ولا ترخيص من وزارة ولا دخل لغرفة الصناعة والتجارة في الموضوع، ولا رصيد من الثقة ولا صحيفة سوابق ولا هم يحزنون.
وكلاء اللاعبين أشخاص غير عاديين، هم أقرب لرجال المخابرات في سرية معاملاتهم وفي تنكرهم خلف نظارات داكنة، أحيانا يقتربون من زعماء العصابات في مداهماتهم الليلية لبيوت الزبناء وفي رسم خطط اختطاف اللاعبين وإقناع الرؤساء، في العالم السري لوسطاء الكرة عمولات ورشوة وكذب وبهتان ومال سائب.
في «الميركاتو» الكروي، يتاجر الناس بعرق اللاعبين، يتحاشون إنجاز الصفقات في واضحة النهار والإعلان عن تفاصيلها في المواقع الرسمية للأندية، لأن هذه الأخيرة مغلقة إلى أن ينفض الوسطاء من محيط الرئيس.
في صفقات منتصف الليل، يفاجأ اللاعب بحضور الوسيط ومساعديه الأقربين وبموظف تصحيح الإمضاءات وهو يتأبط سجل المقاطعة وأختامها، ووكيل عقاري في حالة استنفار حين تتطلب المفاوضات تدبير سكن للاعب أو المدرب، ودروع صحفية لوضع مساحيق على وجه الصفقة، ورئيس يملك صلاحية بدء جلسة التفاوض وإنهائها، في الوقت الذي يتابع حواريوه تفاصيل الصفقات من تسريبات بموافقة الرئيس.
وضع الاتحاد الدولي لكرة القدم ضوابط لمهنة وكلاء اللاعبين منذ سنة 1991، وحين لمس أن البعض منهم أساؤوا فهم المهنة وتحولوا إلى أكلة لحقوق اللاعبين، أجرى تعديلات جديدة على المهنة مرات ومرات في محاولة لوقف الاسترزاق من عرق اللاعبين، لكن الوسطاء ظلوا يتحكمون في خيوط اللعبة ويحركون الرياضيين كقطع الشطرنج، ويتحولون عند الضرورة إلى قطاع للطرق.
في لشبونة مكتب لوكيل أعمال برتغالي يسمى خورخي مينديز، يملك مؤسسة وساطة لها فروع في أوربا وأمريكا اللاتينية، ويؤدي للدولة ضرائب سنوية، يجيد خورخي ثماني لغات ويجلب للاعبيه ومدربيه عشرات الرعاة، ويرفض توقيع الصفقات في الخمارات.
رجاء دلوني على وسطاء للاعبين المغاربة يملكون مكاتب بمواصفات مهنية؟ من منهم يملك محاميا يمسك الخيوط القانونية؟ من يملك تاريخا في ملاعب الكرة لاعبا أو مدربا؟ كل ما لديهم حقيبة يدوية وحاسوب.
صحيح أن مينديز الوكيل الشهير كان مديرا لناد ليلي وفيه نسج أولى خيوط علاقاته مع اللاعبين، وصحيح أيضا أن منيو رايولا، كبير الوكلاء الهولنديين، كان مستخدما في مطعم بيتزا، قبل أن يصبح مهندس صفقات كبار نجوم الكرة العالمية، لكن الحس التجاري ظل حاضرا في الانتقال من تخمة البطون إلى تخمة النجوم.
لا داعي للنبش في مهن وسطاء الكرة المغربية، حتى لا يسخر منهم اللاعبون والرؤساء والأنصار ومصحح الإمضاءات المتجول بين الفرق، لكن لا بأس من تحريض الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ودعوتها إلى تعقيم هذا المجال من المندسين فيه، وسحب رخصة الوساطة كلما آمن الوسيط بلازمة «الله يجعل الغفلة بين البايع والشاري»، حين تختلط عليه الأمور فلا يفرق بين بيع لاعب وتسمين عجل.
في زمننا أغلق المسيرون النوافذ أمام نسائم الحكامة، لأن قضاة جطو لا يولون وجوههم قبلة الأندية الرياضية، ولا يفتحصون مالها ولا يعبثون بفواتيرها، في زمن «الاحتراف» يمكن لوسيط أن يبيع أخلاقه حين يداهمه الكساد. في هذا الزمن كثير من قدماء السمسرة الكروية يعيشون على قارعة الملاعب، فقد جمعوا قدرا من المال يكفي فقط لعلاج الأمراض التي أصابتهم أثناء جمعه.
قال نيلسون مانديلا يوما في تجمع رياضي: «اعطني المال الذي تم إنفاقه في صفقات جلب اللاعبين، وسوف أكسو كل طفل في العالم بملابس الأثرياء».

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى