الرأيزاوية القراء

جدلية العنف واللاعنف من منظور قرآني (7)

بقلم: خالص جلبي

يقول القرآن في سورة آل عمران: «ها أنتم هؤلاء تحبونهم ولا يحبونكم»، فيقرر أن المسلمين يحبون الكافرين، في الوقت الذي يطلب المسيح من أتباعه أن يحبوا أعداءهم ويباركوا لاعنيهم، فسبق صحابة رسول الله (ص) حواريي المسيح بدرجة، وهو يذكر بالفرق بين دعاء موسى أن يشرح الله صدره، في الوقت الذي انشرح صدر النبي فقال: «ألم نشرح لك صدرك». وهناك اختلاط آخر يقع فيه من يتأمل السيرة، فكيف نفهم الغزوات تماما مثل مشكلة الآيات التي تحض على القتل والقتال، وهذا يذكرني بالقصة التي روتها لي ابنتي عن (نورمان فينكلشتاين) وأمه، التي خسرت زوجها وكل عائلتها في معسكرات الاعتقال في (آوسشفيتس Auschwitz) أنها لما طلبت شاهدة على المجرمين النازيين طلبت من ابنها أن يفعل بهم كل شيء، لأنهم رأوا الموت على مدار الساعة في معسكرات الاعتقال.
قالت له ابنتي الموجودة في كندا: «سوف ينشرح صدر والدتك، وربما أسلمت أنت حينما تقرأ الآية التي تقول: «قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم»». وأنا أعرف هذا الشعور من الجلادين في الأفرع الأمنية، الذين كسروا أسناني بضرب البوكس وحجزي في إفرادية لا أتمناها لأحد، أو حفلات التعذيب في (كركون) الشيخ حسن في حي الميدان بدمشق، حيث كان الجلاد (يوسف طحطوح) الديري يستطيب القدوم مع ساعات السحر للتمتع بتعذيب المعتقلين. رأيته بعيني وحقق معي شخصيا، وطحطوح عينة بسيطة موجودة في كل مكان، وقصص حمزة البسيوني من مصر تمثل نموذجا آخر. وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون.
حصل معي هذا ليس لذنب اقترفته، بل من أجل أفكاري ونشاطي الفكري، واليوم أذكرها وقد تحررت من الكراهية، فلا أحمل في صدري ضغينة أو كراهية لأحد، وفي النهاية فكلنا أموات، كما ماتت زوجتي ليلى سعيد، داعية اللاعنف، وهي في قمة الجمال والحكمة والنشاط فودعت الحياة في ساعة. والجنة ليست دار كراهية ومكرهين وإكراه «ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين».
أقول كما فرقنا بين الدفاع الشخصي ضد شقي لص، وبين عدم الدفاع عن النفس أمام النظام السياسي أثناء النضال المدني، كذلك الحال وجب التفريق بين القتال في مرحلة اللادولة ومرحلة الدولة، بسبب بسيط أن وظيفة العنف هي وظيفة الدولة، ولو تابع المسيح ما فعل محمد (ص) فبنى دولة، لفعل الشيء نفسه من رفع الظلم عن المظلومين والمضطهدين، كما جاء في فيلم «دموع الشمس Tears of the Sun»، وهذا الأمر يختلط على الناس فيظنون أن المسيح سلامي ومحمد حربي، والصحيح أن محمد أكمل عمله، فاعتبره مايكل هاردت الشخصية الأولى من مائة شخصية غيرت وجه التاريخ، والمسيح لم يكمل مهمته فخطفته الأحداث، مما أوقع المسيحيين في حيرة؛ فذهبوا مذاهب في تأويل الاختفاء، كما فعل الشيعة مع الإمام الاثني عشر الذي اختفى في السرداب، وأنه سيعود في آخر الزمن فيملأ الأرض عدلا بعد أن امتلأت جورا، وهو مذهب استخدمه كثير من السياسيين الدهاة لإقناع العامة بخروج المهدي ليقضي على الدجال، بمن فيهم من اقتحم الكعبة في مطلع القرن الخامس عشر الهجري في أول أيامه.
أما المسيحيون فقالوا بتأليه المسيح، وهو بشر ممن خلق لم يكمل عمله، وبشر وتحدث أن هناك من سيكمل عمله، كما قال يوحنا المعمدان عن المسيح وبشر به، وقال عنه إنه غير أهل أن يحمل حذاءه ويغسل رجله.
وبذلك يعلمنا الأنبياء دروسا في التواضع، كما فعل المسيح حينما غسل أقدام تلاميذه ليلة العشاء الرباني، وقال: «أحبوا بعضكم، ولتكونوا مدرسة أمام الناس في الحب».
الدولة بيدها العنف وتحتكر العنف، والأنبياء لهم طريقتهم في بناء دولتهم الخاصة، فلا يغيرون الطغيان بطغيان، بل الطاغوت بالرشد، ولكن بني أمية المجرمين رجعوا فقلبوا الآية، وحولوا دولة الرشد إلى دولة طاغوت، إن مات هرقل جاء هرقل، فجعلوها هرقلية تلبس عباءة النبي، مثل مسجد الضرار، وهكذا توقفت مسيرة الإسلام قبل أن يبدأ رحلته، وبدأت الفتوحات الاستعمارية زورا باسم الإسلام، والإسلام لا ينتشر بالسيف بسبب بسيط، هو أن العقل لا يؤمن بالإكراه، ولا يعتبر الإيمان إيمانا ولا الكفر كفرا بالإكراه.
ومع كل هذا الإعلان من الأنبياء أن العنف لا يحل مشكلة انطلاقا من الخلفية الأخلاقية لفكرة اللاعنف؛ فلم تتوضح أهمية هذه الأفكار والبرهنة عليها إلا صباح يوم 16 يوليوز، بانفجار تجربة أول سلاح نووي. حين ألغت القوة القوة، بعد أن وضع البشر أيديهم على سقف القوة.
العنف يعني تعطيل العقل، والعنف يعني لا الديموقراطية، والعنف يعني الإكراه، والعنف لا يحل المشاكل بل يعقدها. والعنف قد يجبر الإنسان ولكنه يأخذ الطاعة مع الكراهية، وبذلك تغلق حلقة العنف على نفسها، بين الكراهية والإكراه والسلاح، واغتيال الحرية بالطغيان السياسي والعقل بالجبت الديني.
والمجتمعات نوعان: من دار حول الفكرة ومن عبد القوة، والمجتمعات العربية تعبد القوة فتخر لها الجباه ساجدينا.
والغرب حل مشكلة الطغيان السياسي فأصبح فيه نقل السلطة سلميا، أما عندنا فمنذ جيل الصحابة الذين ضاع الرشد على أيديهم لم نعرف الرشد حتى اليوم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى