الافتتاحية

رسائل الأسد الإفريقي

انطلقت أول أمس المناورات العسكرية التي تجريها القوات المسلحة الملكية بمشاركة أقوى جيوش العالم، والأكيد أن مناورة الأسد الإفريقي لهذه السنة ليست مجرد نشاط تقليدي للتأكد من مدى جهوزية قواتنا العسكرية فقط، والاطمئنان إلى مدى قدرتها على تنفيذ ما يسند إليها من مهام للحفاظ على أمن وسلامة الدولة المغربية تجاه أي عدوان خارجي محتمل، أو مناسبة لاكتساب التكتيكات والتقنيات والإجراءات العسكرية؛ وتطوير مهارات الدفاع السيبراني، وتدريب المكون الجوي على إجراء العمليات القتالية والدعم والتزويد بالوقود جوا، وتعزيز التعاون في مجال الأمن البحري وإجراء التدريبات البحرية في مجال التكتيكات البحرية والحرب التقليدية. بل هي، إضافة إلى كل ما سبق، نشاط مليء بالدلالات الديبلوماسية والاستراتيجية التي ينبغي أن تستوعبها بشكل مباشر وغير مباشر أكثر من جهة، فبمقدار ما تصل رسائل المناورة العسكرية بدقة إلى الجهات المستهدفة بقدر ما تكون ناجحة في تنظيمها وأهدافها.
ولا ينبغي أن يغيب عن الأذهان الانتباه إلى تزامن تنظيم المناورة العسكرية بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية بحضور دول وازنة مع المعركة الديبلوماسية الشرسة التي يخوضها المغرب تجاه جاريه في الشرق والشمال للدفاع عن وحدته الترابية، تجعل هذا النشاط العسكري حاملا لدلالاته الاستراتيجية، ولذلك نتساءل ما الأهداف التي يود المغرب تحقيقها من مناورة الأسد الإفريقي التي تعد الأضخم والأهم في تاريخ المناورات العسكرية السنوية؟ وهل ثمة رسائل داخلية وإقليمية من تنظيم مناورة الأسد الإفريقي؟
سيكون من العبث اختزال المناورة العسكرية التي جند لأجلها الآلاف من أفراد الجيوش ووضعت ميزانية ضخمة لتغطية نفقاتها تقدر بـ 24 مليار سنتيم، ومشاركة نحو مائة مدرعة و46 طائرة دعم و21 طائرة مقاتلة، ترفا عسكريا تقليديا جرى العمل به منذ بداية القرن الحالي، ولا شك أن فك شفرات المناورة العسكرية يستوجب الأخذ بعين الاعتبار الرسائل التالية:
الرسالة الأولى مفادها أن هاته المناورة، في ظل السياق الحالي، رسالة تحذيرية واضحة لخصوم الوحدة الترابية، فهي تحاول أن تبلغ بالأفعال وليس الأقوال مصادر التهديدات الإقليمية أنه عندما تتعرض حدود المغرب للخطر فعلى من يشكل هذا الخطر ويحاول أن يتجاوز الخطوط الحمراء لوحدتنا الترابية أن يدرك أنه سيواجه جيشا قويا لا يتحدث أعضاؤه على وسائل الإعلام، بل يقررون على الميدان، لذلك فهي رسالة إلى النظام العسكري الجزائري وعصابة البوليساريو بوضع ذيلهما بين أرجلهم واستبعاد المغامرات غير المحسوبة العواقب.
الرسالة الثانية أن المناورة تتزامن مع سوء فهم كبير بين المغرب وإسبانيا، تسبب في عدم دعوة هاته الأخيرة للمشاركة في مناورة الأسد الإفريقي، وهذا له دلالة بالغة الأهمية، وبخاصة في هذا الوقت الذي تعمل فيه إسبانيا على ابتزاز المغرب وعزله ديبلوماسيا بالاختباء وراء الاتحاد الإفريقي وتحويل أزمة ديبلوماسية بين الرباط ومدريد إلى أزمة للمغرب مع قارة بأكملها، قبل أن تتحول هاته المناورة إلى جعل المغرب قبلة للمتابعة الدولية، أكثر من ذلك نجح المغرب في تحقيق اختراقات أوربية بمشاركة بريطانيا وهولندا وإيطاليا، فضلا عن مشاركة الحلف الأطلسي.
الرسالة الثالثة مرتبطة بتثبيت التزامات استراتيجية بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية، لأنه، لأول مرة منذ 2002 تاريخ تأسيس الأسد الإفريقي، تشمل المناورات العسكرية منطقة المحبس الصحراوية، وهذا التحول على مستوى مناطق النشاط العسكري لا يمكن استيعابه بعيدا عن الاتفاق الثلاثي الذي اعترفت بموجبه واشنطن في ديسمبر، في ظل إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب، بسيادة المغرب على أراضيه الصحراوية.
الرسالة الرابعة تؤكد اعتماد الولايات المتحدة على دور المغرب في حماية واشنطن تجاه اتساع نفوذ الصين وروسيا عبر القارة الإفريقية، فالموقع الاستراتيجي للمغرب يجعله ورقة مهمة ضمن الخطط الاستراتيجية الأمريكية وفي نفس الوقت ورقة بيد المغرب للدفاع عن مصالحه العليا، ولهذا فالولايات المتحدة الأمريكية، مهما كانت توجهات إدارتها، فهي تنظر إلى المغرب كشريك في حماية مصالحها الاستراتيجية، ولذلك فهي تواصل بانتظام تنظيم المناورات العسكرية بل أكثر من ذلك عقدت مع المغرب وثيقة لخريطة تعاون عسكري لمدة عشر سنوات مقبلة بين عامي 2020-2030.
الرسالة الخامسة موجهة للداخل الوطني، وهي رسالة اطمئنان للرأي العام حول أمننا الوطني وقدراتنا العسكرية القادرة على تأمين الاستقرار وحماية الثغور من أي اعتداء كيفما كان شكله أو مصدره. وهذه رسالة لم نكن في حاجة إليها فالمغاربة لهم إيمان راسخ بقدرات قواتهم العسكرية، لكن السياق وما يحمله من متغيرات يجعل من التذكير بهاته الرسالة أمرا مهما ومطلوبا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى