الرأي

شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم

بقلم: خالص جلبي

كلنا من طينة آدم، ولكن يخرج من الطين بشر ليس كالبشر، وهو ما حير النصارى حين رفعوا عيسى إلى مقام الألوهية، ولم يفعل محمد في تعليماته المكررة، إلا العكس في نفي الألوهية عن نفسه، وأنه بشر ممن خلق. مع ذلك فهناك فرق شتى تورطت في هذه الخرافة، فرفعت مثل علي كرم الله وجهه إلى مقام الألوهية، وهي فرقة موجودة في بلاد الشام.
بين الطفولة والموسيقى والكتب والاكتشافات والحب الأسمى والاجتماع بشخصيات مميزة ملهمة قيادية كارزمائية فيها من الصفات مثل تألق الكواكب… فطوبى لمن عاشر ورأى مثل هذه الشخصيات في حياته. كل هذا الكلام من أجل الدخول لفهم شخصية نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم. وأفضل ما يمكن وصف هذا الرجل (ص)، ما قالته عائشة رضي الله عنها عنه حين سألها بعض الناس أن تصفه، فقالت: كان خلقه القرآن. وإذا كان هذا مفتاح فهم شخصية هذا الرجل، فعلينا إذن مراجعة قصصه في القرآن.
يمكن أن نراه في سورة «المزمل» مثلا، كيف رجع مرعوبا، ولكنه ذهب بشرا وعاد نبيا مرسلا. كما يمكن أن نراه في النهاية في معركة الخندق، والناس زلزلوا زلزالا شديدا وهو يبشرهم بفتوحات أبعد من الجزيرة العربية، وأحدهم لا يتجرأ أن يخرج ليقضي حاجته، أو في الغار وهو هارب من مكة مطلوب رأسه، والأعداء يطوقون المكان، ولو نظر أحدهم موضع قدميه، لقام بكشف الهاربين محمد (ص) وأبو بكر رضي الله عنه، وهو يقول له: «اهدأ يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما». أو في آخر الرحلة في سورة «التوبة»، وكيف عامل من تخلف عن الغزوة. في قصة كعب بن مالك في مقاطعة اجتماعية دامت 50 يوما، وهي قصة يجب روايتها على نحو مستقل في سياق عرض السيرة حين يأتي مكانها.
وأعظم ما قدمه القرآن أنه يمنحه الشهادة أنه على خلق عظيم، وهو مع هذا الجبروت والرفعة يزداد تواضعا، لأن روحه مليئة شبعانة. أذكر من هتلر حين دخل باريس فاتحا، كيف وضع كفيه على خصريه و(فرشخ) بين رجليه، وكيف فعل رسول الرحمة (ص)، وهو يدخل مكة فاتحا وقد انحنى على الجمل حتى لامس عثنونه ظهر الناقة (العثنون الشعر أسفل الشفة السفلى).
ويمكن من خلال تتبع سيرة هذا الرجل (ص) أن نرى تتابع التحولات بعد صدمة الوحي. نراه في معركة بدر في التحول الثاني، بعد محاولة قتله بمكة وهو الانعطاف الأول، ثم التحول الثالث حين كان في معركة الخندق، عندما انتبه إلى انكسار الميزان العسكري في الجزيرة العربية، فيقول بعدها: الآن نغزوهم ولا يغزونا. ثم الانطلاقة الأخيرة في معركة تبوك، وهو يزحف بثلاثين ألف مقاتل لمواجهة بيزنطة في الشرق الأوسط، وهو بذلك أرسى حدود المواجهة القادمة مع بيزنطة، حيث رسى مجتمع جديد في الجزيرة العربية. ليتابع حواريوه من بعده انسياح الإسلام في الأرض حتى اليوم. وهي رؤية استراتيجية من لدن حكيم عليم، حين يخبر عن هزيمة تلحق بالفرس على يد الروم، وأنها ستحصل في بضع سنين وقد تحققت، وهي أيضا قصة لوحدها سوف نذكرها في وقتها، وكانت رهانا كبيرا؛ فكيف لو تبين عدم صحة الخبر، أو بالعكس هزمت بيزنطة؟
هذا الرجل بدأ وحيدا يتعبد، ولم يكن يطمح إلى شيء سوى الهدوء الروحي، فجاءت العاصفة في غار حراء؛ فلم يعرف النوم بعدها. كان يتعبد حتى تتفطر قدماه، ويجلس إلى الناس فيعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم. وكان صاحب شخصية كاريزمية محبوبة لمن حوله، وكان في خدمة الجميع. إذا استوقفته امرأة في السوق سمع لها حتى النهاية، وإذا دخل عليه قوم يسألونه في قضايا جنسية يجيبهم بدون تردد. وكان إذا أخطأ أحد لم يكن قاسيا عنيفا، بل رحيما معلما. لم يكن فظا لينفضوا من حوله، ولم يكن مهملا في صغيرة وكبيرة. إذا مشى كأنه ينحدر من صبب، وإذا قامت ضجة في الصباح وارتعب الناس رأوه راجعا، وهو راكب فرسا بدون سرج، يقول لهم: لن تراعوا إنها مجرد قافلة تمر. ولم يكن يختلف عمن حوله كرجل دين بجبة وعمامة وقفطان وغطرة فيسأل الرجل أيكم محمد؟ صلى الله عليه وسلم كان مع زوجاته في غاية اللطف، يترك عائشة في المسجد تتسلى برؤية الأحباش يرقصون، فتستند على ظهره حتى تمل. وإذا طالبنه بالتوسع في الحياة يعتذر، ويقول لكن أحد خيارين: الدنيا فتأخذن، أو العيش معي فتصبرن على الفقر. هكذا هي القيادات. وحين يلتقي بأهله بعد فتح مكة ويبدأ في توزيع الغنائم بسخاء، يقول بعض الأنصار لقد نسينا، فيجمعهم ويخطب فيهم موعظة سالت لها العبرات، حين قال: ألا يرضيكم أن يذهب هؤلاء بالشاة والبعير وترجعون برسول الله إلى رحلك، ثم يدعو بالبركة لنسل الأنصار، وهي بركة باقية حتى اليوم وكل من عاش في المدينة يثني على أهلها، لأن معظم من سكن جاور هذا الرجل بركة حتى في رفاته.
يصلي يوما فيسرع فيسلم، ثم يركض إلى البيت ويرجع. يسأله البعض، لا يتردد في الإجابة أن ثمة مال في البيت يجب التخلص منه. هذا ما وصل إليه تولستوي في آخر حياته. وحين مات رسول الرحمة (ص) لم يترك خلفه درهما ودينارا، بل ثروة أخلاقية وعلمية. هكذا هي القيادات. وحين كان في المعركة يكون أول المقاتلين، وإذا خطب لم يطل وعلا صوته واشتد انفعاله. يعامل من حوله بالسوية، وإذا كان في معركة وسوى الناس صفوفا يقول سواد الصحابي لقد أوجعتني بالعصا التي في يدك، من أجل أن يقبل بطن المصطفى (ص) قبل أن يموت.
لا غرابة أن وضع الأمريكي مايكل هاردت في كتابه «المائة الأعظم في تاريخ الإنسانية»، أولهم محمد صلى الله عليه وسلم. ويختصر الفيلسوف المصري عبد الرحمان بدوي القصة عن صناعة الإنسان الكامل: «لا غرابة أن يتغنى الناس في مدحه حتى اليوم، من عرب ومن عجم».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى