الرأي

عندما ينقطع الخط..

يونس جنوحي

ما وقع أول أمس، بخصوص توقف وسائل التواصل الاجتماعي، فتح فرضية أن تتوقف فجأة هذه الخدمات بشكل كلي في العالم وينتهي عهدها بدون سابق إنذار. قد يستيقظ «مارك» ذات يوم ويقرر إلغاء «فايسبوك» وعدم بيعه، وإقبار مرحلة وسائل التواصل التابعة له، وتقبر معها إمبراطوريات افتراضية لأناس جعلوا من المجال مهنة لهم يجنون منها أرباحا لا تجنيها المقاولات التي تساهم في دورة الاقتصاد الوطني.
تلك الواقعة جعلتني أبحث إن كان المغرب يوما مر من تجربة مماثلة في السابق، أي أن تتوقف الرسائل والهواتف وتصاب حياة «الاتصالات» بالشلل. وتوجد فعلا وقائع مثيرة في هذا الباب.
أولها أن حدث وفاة المولى الحسن الأول، سنة 1894، تزامن مع مشكل في خطوط الهاتف القليلة المتوفرة في المغرب والتي كانت كلها في ملكية فرنسا وبريطانيا. ووصل الخبر بفضل السفن، التي تغادر يوميا صوب بريطانيا، إلى لندن قبل أن يصل إلى فاس. لأن انقطاع خطوط الهاتف منع أن يصل الخبر إلى الفرنسيين في فاس، وهكذا كانت بريطانيا وفرنسا تعلمان بخبر وفاة المولى الحسن الأول قبل سكان فاس الذين صدمهم الخبر وخرجوا لتوديع السلطان عندما وصلت جنازته إلى القصر.
مرة أخرى في شتاء 1907، انقطعت كل وسائل الاتصال في المغرب، والتي تتمثل في الصحف الأوروبية والهواتف والتلغراف. والسبب أمطار طوفانية جعلت كل المدن التي تقيم فيها جاليات أوربية، مثل فاس والدار البيضاء والرباط وطنجة، تعيش في عزلة تامة عن بعضها بسبب جرف مياه الفيضانات لأعمدة الهاتف وارتفاع منسوب مياه الوديان، وهو ما يعني توقف خِدمة البريد والصحف بين هذه المدن.

بل إن الصحف القادمة من باريس ولندن استغرقت أكثر من أسبوع لكي تصل إلى طنجة، وعندما وصلت كانت الأخبار المكتوبة في صفحاتها «أخبار بائتة». ويومها عاش الأوربيون في طنجة والدار البيضاء عزلة تامة، وانقطعوا حرفيا عن العالم ولم يكونوا يعرفون ماذا يقع في بلدانهم بشأن المفاوضات الحكومية والأحداث السياسية، ولم يكن بإمكانهم الاطمئنان على بعضهم البعض بسبب انقطاع خطوط الهاتف.
ولاحقا، أصبح المواطنون الإسبان القاطنون في طنجة، يعتمدون على جهاز الهاتف في حياتهم اليومية بشكل كامل، حتى أنهم كانوا يكتبون أرقام هواتفهم على جدران منازلهم لتبدو ظاهرة للمارة. وهو أمر عجيب ونادر. ويمكن لأي زائر لمدينة طنجة أن يلاحظ هذا الأمر قرب «فيلات» أو منازل قديمة كانت في ملكية المواطنين الإسبان الذين أقاموا في طنجة خلال القرن الماضي، إذ كانوا يعمدون إلى كتابة أرقام هواتفهم المنزلية فوق جدران منازلهم بزخرفة إسبانية أو فوق قطع الزليج، لكي يستطيع أي كان الاتصال بهم.
وهذا الأمر كان يميز منازل الإسبان وحدهم عندما كانت طنجة منطقة دولية، إذ لم يكونوا يجدون حرجا في أن تكون أرقام هواتفهم مشاعة بتلك الطريقة التي يستطيع أيّ كان الاتصال بهم عبرها.
عندما كان يحدث عطل ما في خطوط الهاتف قبل قرن من اليوم، كان الأمر يشبه كثيرا ما وقع أول أمس في العالم كله، عندما توقفت خدمة فايسبوك وبقية التطبيقات التابعة لإمبراطورية الاتصالات الأكبر في العالم.
الظاهر أن العالم لا يزال على حاله، منذ اليوم الأول لاكتشاف أمر ما اسمه «الاتصال» أو «التواصل»، إذ إن الزمن الغابر الذي كانت الهواتف تتصدر فيه الاتصال، كان الناس يرفعون السماعة ليتفقدوا الحرارة ويعيدونها إلى مكانها دون أن يجروا أي اتصال بالضرورة. يكفي فقط أن يعرفوا أنهم لا يزالون متصلين بالعالم لكي يسري في عروقهم ذلك الشعور بالارتياح. وهو الإحساس الذي لم يتغير بتغير أدوات الاتصال منذ أزيد من قرن.
هل يوجد اليوم من يستطيع العيش بدون خدمات التواصل؟ يبدو أنه لا أحد يتصور حياة بدون إشعارات أو رسائل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى