الرأي

من الخيمة خرجت «تندوف»

لكل فترة رجالها وأزماتها أيضا. المغاربة مُطالبون اليوم أكثر من أي وقت مضى بأن يعرفوا جيدا أهم محطات قضية الصحراء والحدود السابقة للدولة المغربية قبل أربعة قرون وقصة استقلال موريتانيا والاتفاقيات الإسبانية- الفرنسية على الخصوص، لأنها مصدر سوء الفهم الكبير الذي وقع حتى بين بعض القيادات السياسية التي لم تفهم رموزها دروس التاريخ جيدا.
وكما أن الله لا يُعبد عن جهل، فإن الأوطان كذلك لا تُحَبّ عن جهل أيضا. لا بد أن يكون المغاربة من مختلف الشرائح على علم بالمحطات التي مر منها ملف الصحراء المغربية وكواليس استعادة الأقاليم الصحراوية من الاستعمار الإسباني.
جل المغاربة اليوم لا يعرفون أي شيء عن القصف الذي عرفته منطقة الصحراء على يد الطيران الإسباني والفرنسي سنة 1956، ومفاوضات ترسيم الحدود بين الجزائر والمغرب ومبادرات الملك الراحل محمد الخامس للجلوس مع رموز قبائل الصحراء قبل إعلان ميلاد دولة موريتانيا في بادرة حسن نية من المغرب لم يشأ الملك الراحل محمد الخامس أن يفتعل معها مشاكل إقليمية، ولعل المذكرات التي تركها الدبلوماسي المغربي السابق قاسم الزهيري، أقوى شاهد على المرحلة حيث تقدم وثائق توضح بما لا يدع مجالا لأي شك، أن الصحراء المغربية كانت لقرون ولا تزال، موضوع مبايعة بين قبائل الصحراء وبقية مناطق المغرب الأخرى.
هذا الدبلوماسي الراحل الذي كان أول سفير مغربي في السينغال وموريتانيا، سجل كواليس اجتماعاته مع الملك الراحل محمد الخامس وسفرياته المكوكية منذ 1956 إلى دول إفريقية وعربية لإجراء مباحثات توضح نية المغرب استكمال وحدته الترابية والتخلص من تبعات الاستعمار الإسباني في الجنوب.
لكن المؤسف أن هناك من يستثمر في الجهل، ولا أحد يدري حتى مصير آلاف الوثائق والمخطوطات القديمة التي تتحدث عن علاقة قبائل «شنقيط» بملوك الدولة العلوية والحروب التي قادها المغرب ضد الاستعمار لمساعدة دول الجوار على مقاومة التدخل الأجنبي.
كان المغرب مساندا رسميا لليبيا منذ عهد محمد الرابع، ودخل في حرب مع قوات أوربية بحرا نصرة للجيران. رغم أن ليبيا وقتها كانت معروفة بانتشار سفن القراصنة في إطار ما كان يسمى وقتها «الجهاد البحري»، حيث كانت قبائل ليبيا المقيمة على السواحل تعيش على عائدات نهب محتويات السفن التجارية القادمة من آسيا في اتجاه أمريكا. وحدث مرة أن أغاروا على سفينة أمريكية فأعلنت أمريكا الحرب ضدهم قبل أربعمائة سنة تقريبا من اليوم، ليخرج المغرب معلنا مساندته لليبيا ويأتي وفد من الدبلوماسيين الأمريكيين إلى المغرب لحل الأزمة سلميا، والنتيجة كانت تأسيس أول قنصلية أمريكية في طنجة، ليكون المغرب أول من اعترف بتأسيس الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن كاد الدخول في حرب ضدها.
جرى هذا في وقت كانت فيه الجزائر مجرد «إمارة» عثمانية منهكة يستيقظ سكانها كل يوم على اسم حاكم جديد. أجساد «الدايات» و«البايات» كانت في تلمسان وعنابة، لكن عقولهم وقلوبهم كانت في إسطنبول. وإذا أمطرت في أنقرة فإن الناس يفتحون مظلاتهم في «مغنية».
لبيبا والجزائر كانتا دائما مصدر التمويل الأبرز والوحيد لإقامة الجمهورية الصحراوية التي لا توجد فعليا لا على الخريطة ولا على أرض الواقع.
أناس محتجزون قسرا وبالقوة منذ نصف قرن في نقطة حدودية اسمها تندوف، وآخرون يناصرونهم يقيمون في المدن المغربية ويحملون بطائق تعريف مغربية ويقفون في الطابور للاستفادة من المعونات التي تصرفها الدولة المغربية، لكنهم يضعون علم البوليساريو في غرفة المعيشة. لماذا؟ لأن تلك الراية مصدر للاسترزاق.
لو أن الجزائر سمحت لسكان تندوف بمغادرة المخيمات صوب أماكن أخرى تحترم آدميتهم، لما بقي إنسان واحد هناك، وانتهت قصة دولة وهمية بأكملها في ربع ساعة. وما كنا سنسمع هذه الأسطوانة المملة كل يوم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى