حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأي

الحضارة وثقل الهوية

محمد البشاري

 

بينما يعتبر الوعي أولى ركائز تحقيق النهضة وإصلاح ما فات المجتمعات الإنسانية، فإن ذلك لا يكون إلا بحضور منهجي رصين، يميز بين الدلالات، ويتقن بناء المفاهيم، ويوقن بلزوم تحري المصداقية والموضوعية.

إن تناول القضايا المعاصرة، التي ينبني معظمها على «مادة خام» موروثة، يعني بناء الأفكار على اصطفافات فكرية، وترجيحات هزيلة، لا يمتلك الإنسان القدرة العلمية والمنهجية الدقيقة للجزم بتفضيل أحدها على الآخر، دون أن يجد نفسه في منتصف الطريق بين مَن رجح ومن نقض في المجال أو الموضوع ذاته.. مما يصعب مهمة «الإحاطة» العلمية بكافة المواضيع المطروحة، ويجعلها «في أحد أوجهها» تبدو «ناقصة».

فما الحدود التي يمكن للإنسان أن يتجاوزها في محاولته لتقديم الدراسة الموضوعية؟ وما نوافذ حياديته التي لا يمكن أن يقترب منها؟

وبالنظر إلى الدراسات ذات الطابع «اللاهوتي»، كالتي عزف على أوتارها الفيلسوف المسيحي هيغل، نلحظ أنه لم يستطع الخروج من مساحة مطارحاته ذات النزعة الدينية الواضحة.

وربما تعتبر هذه الخصلة أحد الأسباب التي أبعدت العقول الناضجة عن ممارسة إبداعها، والخروج بثمار تجارب خصبة، بسبب التأثر الخارج عن الإرادة، وتصرف الإنسان في «اللا وعي»، بناء على أتمتة دماغه، وفق منظومة فكرية وثقافية لازمته منذ بداية نموه العقلي.

ولهذا السبب نرى أن «هيغل الفيلسوف» يتفوق بمراحل عديدة على «هيغل اللاهوتي»، خلال دراسته الإسلام.. وفي الوقت ذاته، فقد تشكلت الصورة ونما اهتمام هيغل بالإسلام، ليس من باب المصادفة، بل من خلال قراءاته واطلاعه على العديد من المصادر التي تناولت الفتوحات الإسلامية، وأبرزها كتاب «تاريخ انحطاط وسقوط الإمبراطورية الرومانية» لإدوارد جيبون، وكتاب «دلالة الحائرين» لابن ميمون.. ليمتد ذلك الاهتمام نحو الإفادة مما رآه نضرا من نتاج استقرائه في شتى المعارف ذات الاختصاص الفلسفي والطبي المنقولة إلى أوروبا، من خلال مراكز ثقافية إسلامية بالأندلس.

هذا الأمر يشير إلى التأثير المعرفي والثقافي على الإنسان، وقابليته للانحسار الموضوعي، في حدود دون أخرى «هيغل مثالا»، وبخاصة أنه أشار في العديد من المواضع إلى القيم الأخلاقية، والأسس المنظمة للعلاقات الإنسانية، وصون «المحمدية» لحقوق الإنسان، وتأثيرها العلمي والاقتصادي والفني على امتداد واسع.. لكنه توقف عند حد معين، منعته من الإبحار به الإلحاحات العقدية المسيحية والتأثير البروتستانتي على تصوره للدين الإسلامي.

إن دراسة القضايا الإنسانية بشكل عام، والملحة منها بشكل خاص، تتطلب دائما تنقية المنهجية الناظرة فيها من طرف، وإثرائها بأسس التكامل المعرفي من طرف آخر، سيما أن بناء المعارف على أرضية مليئة بالمشاحنات البعيدة عن الفطرة الإنسانية النقية لا ينتج إلا أفكارا مشوهة، لن تستطيع معها المجتمعات الإنسانية الوصول إلى ما تنادي به من آمال الوصل والتشارك والتناغم، وهذا ما أكده هنس زند كولر في مؤلفه «المثالية الألمانية»، عندما أشار بشكل مباشر إلى تداعيات التكوين الثقافي والمعرفي لدى هيغل، صاحب ثلاثية الفن والدين والفلسفة، على رحلته المعرفية اللاحقة، بينما كان يدعي إنكار إفادة الغرب، العلمية والمعرفية، من العرب، نجده يتكلم عما أضافه الدين الإسلامي في المجال ذاته.. فهل تقع العقدة المعوزة للتفكيك في البناء الفكري، أم في فرعه من التوجه الديني؟

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى