
ظل الروائي المصري الراحل جمال الغيطاني مرتبطا بأرض المغرب على المستوى الروحي والتاريخي والثقافي بصفة عامة. كما اعتبر أن المغرب قد ساهم في تكوينه الإبداعي وشكل ذاكرة حية للثقافة المغربية. تجلى هذا الارتباط في تعدد زياراته وحضوره في الكثير من كتاباته، معبرا عن ذلك بقوله «في المغرب، أسمع الموسيقى في الألوان، وأرى الألوان في الموسيقى، تهمس العمارة بدقائق الحقائق، ويتحدث الفراغ»، في كتابه (مقاصد الأسفار) يخصص حيزا كبيرا لرحلته إلى المغرب: «ثلاث ساعات أقلعتُ في العاشرة وصلنا في الثانية عشرة والنصف. إن عشر سنوات تقريبًا مضت على آخر زيارة للمغرب كفيلة بملاحظة الفروق. مطار جديد حديث يصعب على ذاكرتي استعادة المطار القديم، أودع زميلي وصديقي يسري حسان الذي جاء بصحبة فرقة مسرحية ستقدم عرضًا. أجد شابًا دمثا ينتظرني، يصحبني إلى عربته التي سوف نقطع بها الطريق إلى مراكش، حوالي ثلاثمائة كيلومتر. هذا الطريق لم يكن قد رصف خلال زيارتي الأخيرة. طريق جيد يصل جنوب المغرب بأقصى شمالها، ليس به تقاطعات اختصر المسافة عبر البر من ثلاث ساعات ونصف إلى ساعتين تقريبا. أقرأ تقارير كثيرة عن التقدم في المغرب، على المستويات الاقتصادية والسياسية خاصة في ما يتعلق بالحريات، من خلال الطريق ألحظ التقدم العمراني أيضًا. مرتفعات صخرية تتخللها قرى على قمة مرتفع – مثل جبل المقطم في مصر – أرى ضريحًا بسيطا لأحد الأولياء، بسيط الشكل تعلوه قبة صغيرة. لا أعرف اسمه ولا اسم المكان، لا أسأل مرافقي فعلى الأرجح لن يعرف، ثم إنني أعتقد أن المعرفة الكاملة تفقد الإنسان بعض الفضول والقدرة على إبقاء الغوامض. بعد أن تجاوزت الستين واستقر في يقيني أنني سأنتقل إلى الأبدية بدون أن أجد الإجابات الشافية، اقتنعت بطرح الأسئلة، أحيانًا يكون السؤال أغنى من الجواب، وأحيانا يكون إبقاء بعض الأشياء في حيز المجهول الذي لا نعرفه أفضل من الإلمام بكافة ما يتعلق بها. هكذا استفيد الآن تلك القباب وعندي الاستفهام، يضعني هذا في دائرة الحيرة والفضول، وأحيانا يكون ذلك باعثا على المعرفة، والإحساس بأن في الحياة ما يجب أن يعرف وهذا دافع للبقاء إلى حين!».
في الطريق إلى الأطلس
«تبدو جبال الأطلس للناظر إليها من مدينة مراكش كأنها تقع في منطقة الوهم والخيال والواقع؛ كأنها ظلال» خاصة أن ما يضفي بعدًا أسطوريًا عليها قممها المغطاة بالثلج الفضي طوال العام حتى في شهور الصيف شديدة الحرارة، غير أن هذه الصورة في مجملها تتغير مع تقدمنا بالسيارة في الطريق الذي يصعد تدريجيًا إلى الجبل عبر منحنيات شديدة الحدة، تذكرني بالطريق بين صنعاء وتعز، بل إن هناك تشابهًا غزيرًا بين جبال اليمن وجبال المغرب، مع الصعود التدريجي نكتشف أن هذا الجبل يضج بالحياة والحضور والأفكار.
هنا مدن وقرى وقبائل الأمازيغ، خاصة المعروفين منهم بالمصامدة، من عمق هذه الجبال خرجت دولة الموحدين، التي قادها المهدي ابن تومرت وكانت بداية تأسيس الدولة المغربية والشخصية المغربية، المشاهد تزداد جمالا كلما أوغلنا في الارتفاع، السفوح مغطاة بالأشجار، الصمت عميق يلف المكان كله مع التقدم عبر الطريق المرتفع تدريجيًا يزداد الشعور الغامض بالقرب من السماء… في المغرب يتمركز الصوفية في الأربطة والزوايا، والرباط هو الحصن الذي يقوم على التخوم، ويقيم فيها الصوفية للجهاد، عند الفقهاء يعني الرباط حبس النفس للجهاد والدراسة، أما الصوفية فيجمعون بين الجهاد والعبادة، والمرابطون هم الذين يحرسون الثغر في سبيل الله، أما الزاوية فالكلمة تعني القبض أو الجمع، ومنها الانزواء، أي العزلة والابتعاد عن الناس، والزاوية تعني أيضًا المسجد الصغير مقابل المسجد الكبير، وهي مكان لإيواء الغرباء والمحتاجين، في مراكش تتوزع الزوايا على المدينة لتشكل الركائز الأساسية للحياة اليومية فيها.
الغيطاني.. هاتف المغيب
رواية (هاتف المغيب) لجمال الغيطاني تتخذ من المغرب خلفيتها التاريخية ومرجعيتها: «يقول مدونه جمال بن عبد الله إن بلاد المغرب آخر حد دار الإسلام جهة الغرب، يحدها المحيط الأعظم، لذلك عرفت الأربطة والزوايا، فالخطر يجيء من أفق البحر، عزم المجاهدون، الصابرون، الغيورون على دين أمة محمد أن ينقطعوا بصفة دائمة عند الأماكن والثغور المتوقع وقوع المفاجآت منها، جاءوا من أقصى الشرق، من بلخ، من سمرقند ومرو ونيسابور، والقاهرة، ورشيد وقوص وتعز وحضرموت وساحل عمان وحلب، وقونية، والكوفة، وسائر الأمصار، انقطعوا تماما في الأربطة المزودة بالعتاد والمؤن، فارقوا ملذات الدنيا الفانية ومباهجها العابرة، نذروا أنفسهم لمواجهة الخطر وصده، لا يغمض لهم جفن، ولا يهن لهم نبض مهما طالت سنوات الدعة… أمضيت قدراً من عمري في الرباط الكبير، نظمت أموره ضبطتُ أحواله، كنتُ الواسطة بين رجاله وسلطان البلاد. عندما بدأ حديثه عن الفسطاط ظننته شبيها للرباط، لكنني أدركتُ خطئي، لهذا تفصيل أورده لأني لم أسمع بمثله من قبل…
يقول أحمد بن عبد الله إن موضوع الفسطاط هذا من الأمور التي شغلته… في لحظة سكون اختلط فيها النهار بالليل مال على قصاص الأثر ورجاه بحياة إسحق أن يخبره بما يعرفه عن موضوع الفسطاط… لم ينطق كلمة، مع أنه شهد ظهوره. وتابع نموه… وألم بتطوراته، يتبارك القوم بضريح المغربي، يثقون بوجود صلة بينهما».





