حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةتقاريرفسحة الصيف

الرصاص الحي في إقامة المنتخب الوطني بدول جنوب الصحراء

أحمد فرس.. سيرة حياة

حين سافرت لأول مرة في حياتي إلى أوربا وتحديدا إلى سويسرا، من أجل خوض لقاء ودي أمام منتخبها بمدينة بال، كانت تلك أول رحلة أقوم بها على متن الطائرة. انضممت، إذن، للفريق الوطني وكنت ما أزال تلميذا بثانوية ابن ياسين بالمحمدية.

مقالات ذات صلة

في اليوم الذي دارت فيه المباراة التي جمعتنا بمنتخب الشباب السويسري، كان الجو ممطرا وباردا، بل إن طبقات من الوحل ملأت جنبات الملعب وغطت طبقات منها عشبه، ورغم طابعها الودي حضر المباراة جمهور كبير.

قبل اللقاء فوجئت بالمدرب الوطني يقحمني في المواجهة لاعبا أساسيا طيلة الشوطين، وفقني الله في ذلك اللقاء مجددا لأبرز عطاء جيدا رغم كل تلك الظروف التي رافقته، سجل الفريق الوطني أربعة أهداف واستقبلت شباكه ستة.. لكن رغم الهزيمة استحق الفريق الوطني الاحترام والتقدير الكبيرين من طرف الجمهور، وكذا من مختلف وسائل الإعلام التي تتبعته وأتذكر أنه، بعد نهاية المباراة، تبادل لاعبو الفريقين الأقمصة. بدوري تبادلت مع أحد اللاعبين السويسريين قميصي لبست القميص السويسري فبدا مظهري مثيرا للسخرية بين زملائي، فقد كان مقاسه يصل إلى حدود ساقي.

شكلت مشاركتي في تلك المباراة، ضمن صفوف الفريق الوطني الأول، أولى الإشارات التي قادتني في ما بعد لولوج مرحلة جديدة في حياتي الكروية.. وشكلت فعلا محطة حاسمة بالنسبة لي نحو ضمان مكانة قارة بين كبار نجوم كرة القدم الوطنية في تلك الحقبة. واصلت مشواري الرياضي بعد هذه المحطة الهامة بالعزيمة والانضباط نفسيهما داخل صفوف شباب المحمدية. شكل انضمامي للمنتخب الوطني حافزا قويا دفعني نحو بذل مجهودات أكبر في بحثي عن تحسين قدراتي البدنية والتقنية.

بعد فترة وجيزة من مباراة سويسرا الودية، نودي علي من جديد لمرافقة الفريق الوطني الذي كان مدعوا لمواجهة منتخب ألمانيا وديا، فوق أرضه وبين جمهوره. كان الفريق الألماني حينذاك قويا بكل المواصفات، وكان مازال يحمل حسرة خسارته أمام منتخب إنجلترا في نهائي كأس العالم لسنة 1966.

كانت تلك رحلتي الثانية إلى أوروبا، انبهرت في الواقع بألمانيا وبلاعبيها الكبار، لعبت أساسيا في اللقاء، قدمنا عروضا جيدة وتقنيات نالت إعجاب الجمهور بالرغم من خسارتنا بأربعة أهداف لهدف واحد. أذكر أن المرحوم اللاعب بؤاسا كان هو المسجل.

أستحضر تفاصيل مشاركتي في المباراتين أمام سويسرا وألمانيا الغربية.. أتذكرهما بافتخار كبير.. لقد شكلتا بالنسبة لي أولى الخطوات في دربي الطويل وأنا لاعب أحمل القميص الوطني..

بعد هذين اللقاءين، أحسست، فعلا، بأن أبواب المنتخب الوطني فتحت أمامي، كانت فرصتي التي اجتهدت كثيرا حتى لا تضيع مني.

انطلقت مسيرتي الحقيقية، إذن، ضمن صفوف المنتخب الوطني، ونجحت في البصم على حضور جيد في كل المباريات التي شاركت فيها، بل انتزعت رسميتي لاعبا دوليا بالفريق الوطني بدءا بمركز في الجناح الأيسر.

ورغم وجود لاعبين كبار يحملون تجربة طويلة بالفريق الوطني، تمكنت بفضل الله سبحانه وتعالى من نيل رضا كل مكونات الفريق وأصبحت أساسيا في كل المباريات. كان بالنسبة لي رهانا نجحت فيه، في الوقت الذي لم يكن أحد يتخيل أن يكسب لاعب صغير السن مثلي، وقادم من مدينة ليس لها نفس وزن مدن كبيرة، من قبيل الدار البيضاء أو الرباط، رسميته داخل مجموعة متجانسة تجر خلفها تجربة مديدة من الوجود والتجانس داخل الفريق الوطني.

بعد رجعونا من ألمانيا التي واجهنا فيها منتخبها الوطني في لقاء استعدادي، وبعد فترة راحة جد وجيزة كان على الفريق الوطني دخول المنافسات الخاصة بدورة ألعاب البحر الأبيض المتوسط لسنة 1967 التي أقيمت في تونس.

مرت تلك النهائيات بشكل جيد وكانت أول تجربة حقيقية للاعب ناشئ مثلي، شاركت رسميا ضمن مجموعة من اللاعبين الدوليين المشهورين في تلك الفترة.. كل اللقاءات التي شاركت فيها كانت جيدة قدمت خلالها عطاء متميزا بشهادة المدرب والمسؤولين وزملائي، خاصة في اللقاء الذي كان جمعنا بالمنتخب الفرنسي. بعد تلك المحطة، كان على الفريق الوطني دخول مرحلة الإقصائيات الخاصة بالألعاب الأولمبية لمكسيكو 1968.

بخصوص هذه الإقصائيات، أذكر أنها كانت تعتمد على نظام الإقصاء المباشر. ويعني ذلك أن الدور الأول، مثلا، يعرف تباري منتخبين اثنين ذهابا وإيابا، وصاحب أحسن نتيجة في اللقاءين يكون هو المتأهل.

وأنا أحاول استحضار كل تفاصيل شريط تلك المقابلات الرائعة التي شاركت فيها مع الفريق الوطني في تلك المنافسات، يتملكني في الواقع شعور بالحنين لذلك الزمن الجميل، زمن كان يكفي فيه أن تكون عنصرا بالفريق الوطني كي تصبح نجما وطنيا، إلا أن النجومية لم تكن هدفي، بل كنت أسعى دوما إلى إسعاد جمهور وطني وإقناع مسؤولي المنتخب ثانيا، ما كان يفرض بذل كل الجهد والتضحية والمثابرة من دون انتظار الحصول على أجر أو مكافأة مقابل ذلك.

انطلقت الإقصائيات، فنجحنا في تجاوز عدة منتخبات إفريقية لنتمكن في نهاية المطاف من الوصول إلى الدور الأخير، الذي كان علينا فيه أن نواجه منتخب غانا، الفريق القوي والعنيد في تلك الفترة.

قبل أن أتحدث عن مواجهتنا للفريق الغاني، أود أن أشير إلى تلك الظروف الصعبة التي كانت تحيط برحلات الفريق الوطني لدول إفريقيا. كان السفر عبر الطائرة لا يتم بالصورة التي نعرفها اليوم، أي التوجه للبلد الإفريقي مباشرة. كان السفر في ذلك الوقت يتطلب المرور أولا عبر بلد أوروبي، وانتظار موعد إقلاع طائرة أخرى متوجهة للبلد الإفريقي الذي من المقرر التوجه إليه مع ما كان ينجم عن ذلك من تأخير كبير وتعب في الانتظار والترقب في إفريقيا.

كانت شروط الإقامة في غالبية الدول الإفريقية جد متدهورة على جميع المستويات، خصوصا في ما يتعلق بالأكل والمبيت، إلى جانب غياب الأمن والأمان في ظل الحروب العديدة والمنازعات الأهلية الدموية التي كانت ظاهرة تجتاح أغلب الدول الإفريقية في ذلك الوقت. وأذكر هنا ظروف بعض المناسبات التي تواجدنا خلالها في أي بلد إفريقي.. كان الفريق الوطني في كل تلك المناسبات محاصرا ومحميا في كل تنقلاته للملعب لإجراء تداريبه بالجنود والعساكر مدججين بكل أنواع الأسلحة. وكم من مرة استفاق فيها لاعبو الفريق الوطني بمقر إقامتهم على دوي الرصاص والمدفعية. هذا إلى جانب ما كان يعانيه الفريق الوطني، في تلك الفترة، مما يمكن أن نصفه بعنصرية من نوع خاص، فقد كنا في أعين الأفارقة أوروبيين فوق أرض إفريقية، ورغم كل ذلك كان الفريق الوطني ينجح في تجاوز كل تلك الظروف السيئة ويبصم على لقاءات ستظل خالدة في الذاكرة.

 

 

 

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى