
يونس جنوحي
بات المهدي المنبهي متيقنا أكثر من أي وقت مضى من أنه سيتابع أخبار «بوحمارة»، لا محالة، من بعيد، بدل أن يكون فاعلا فيها، بل وأن يقتاد الثائر بنفسه إلى القصر الملكي يمثل أمام السلطان المولى عبد العزيز. الأقدار رتبت أن يكون المنبهي خارج السلطة، وخارج «الحياة المغربية» عموما، عندما سوف يُلقى القبض فعليا على بوحمارة وتنتهي أسطورته بحلول سنة 1909.. لكن، أولا، ماذا وقع سنة 1903؟.. العام الذي طُرد فيه المنبهي خارج «بلاد المخزن».
المطرود..
عندما خرج من قاعة العرش في قصر فاس، يوم 29 أبريل 1903، كان المهدي المنبهي مُدركا أنه أمام خيارين فقط: أن يعود إلى المكان نفسه للقاء السلطان و«بوحمارة» بين يديه، أو يغادر القصر نهائيا لأنه فشل في اعتقال الثائر وإخماد التمرد ضد المخزن.. الخيار الثاني كان منطقيا. فالمشاكل التي كان يعيشها المغرب، ربيع سنة 1903، تُبرر عجز العلاف الكبير -المنبهي- عن إنهاء تمرد «بوحمارة»، والمنبهي نفسه كان مقتنعا بهذا التبرير، غير أنه، في النهاية، اختار أن يطلب لقاء السلطان ليشرح له تحديدا ما وقع، في محاولة منه ليلعب اللعبة الأخيرة.
وصل خبر عجز المنبهي عن اعتقال بوحمارة في مشارف تازة إلى مسمع السلطان المولى عبد العزيز، ويذكر المؤرخون أن الأخير أشاح بوجهه ممتعضا عندما بلغه خبر فشل المنبهي مرة أخرى في اعتقال بوحمارة.
لم يكن السلطان مهتما نهائيا بأي تفاصيل تتعلق بالتقدم الميداني أو إجبار «بوحمارة» على التراجع، أو حتى انضمام قبائل جديدة إلى المخزن لمواجهة بوحمارة. الخبر الوحيد الذي كان ليرضي المولى عبد العزيز هو اعتقال بوحمارة.. إلا أنه لم يتحقق.
أبان المنبهي عن شجاعة كبيرة، عندما اختار أن يعود إلى فاس، وليس إلى مكان آخر. كانت «جرأة» منه، كما وصفها بنفسه، بعد تقاعده، عندما كان يحكي لأصدقائه الإنجليز، خصوصا الوزير المفوض البريطاني في طنجة الدولية ورئيس المفوضية، عن ذكرياته مع «المخزن» وتعليقه على أحداث 1903.
المشهد الأخير..
اختلفت بعض الروايات التي نقلها المؤرخون المغاربة عما كان يحكيه المنبهي لأصدقائه البريطانيين في طنجة الدولية. ربما كان المنبهي صادقا، وهو يروي ما عاشه، بحكم أن المؤرخ معرض لنقل رواية خصوم المنبهي الذي لم يكن موجودا عندما وثق هؤلاء المؤرخون لتلك المرحلة.
عاد المنبهي شتاء1903 إلى عاصمة المولى عبد العزيز. وهو شتاء كان قاسيا، تضاعفت فيه معاناة القبائل. الأمطار أخلفت موعدها لعام آخر، ومعنويات الناس والسلطة كانت في أدنى مستوياتها، لينضاف همّ عجز العلاف الكبير عن اعتقال بوحمارة، وتصبح الأجزاء جنائزية فعلا في فاس ومراكش.
عودة المنبهي أربكت خصومه، سيما الصدر الأعظم غريط، والوزير التازي، والقياد ورجال المخزن المقربين من السلطان. كانوا يتوقعون بدورهم ألا يعود للقاء السلطان، ويفضل البقاء خارج القصر.. لكنه غامر وطلب لقاء السلطان، وهو ما وقع شهر دجنبر 1903.
ستة أشهر لم يفلح فيها المنبهي في طي ملف «بوحمارة»، ففضل المجيء بقدميه لكي يبرر للسلطان أسباب هذا الفشل.. لكن المولى عبد العزيز لم يكن مستعدا لتقبل أي عذر من أعذار وزيره.
كان المشهد كما لو أنه مقطع من فيلم سينمائي مرشح لأرفع جائزة في عالم السينما.. غير أن المنبهي لم يكن يستحق أن يُرشح لـ«الأوسكار»، لأن أداءه التمثيلي أمام السلطان لم يكن مُقنعا.
كان اللقاء قصيرا. طلب المنبهي لقاء السلطان وسُمح له. كان المولى عبد العزيز يقف في قلب ساحة واسعة. اقترب منه المنبهي، بلباسه الذي كان يعلوه غبار الطريق، وقبّل يديه وقدم فروض الطاعة والولاء.. لكن المولى عبد العزيز بقي صامتا، وانخرط المنبهي في تقديم المبررات، وحاول تعليق فشله في اعتقال بوحمارة على المشاكل التي كان يعيشها الجيش، وظروف البلاد وقلة الموارد لتمويل «الحْركة» الموعودة التي ستعتقل بوحمارة وتجره إلى فاس.
في نهاية اللقاء القصير، صمت المنبهي لبرهة وكأنه ينتظر عفو السلطان عنه أو إمهاله مهلة أخرى.. إلا أن المولى عبد العزيز لم يفعل. أذن له بالانصراف، وفهم المنبهي أنه منذ تلك اللحظة لم يعد هو «العلاف الكبير».
عاد المنبهي إلى داره المجاورة لقصر السلطان، وبلغه على الفور أن السلطان أقاله وأن منصب «العلاف الكبير» انتقل إلى شخص آخر.
من يكون هذا الذي حل مكان المنبهي؟ لم يكن المنبهي مهتما بمعرفة من يكون، بقدر ما كان منشغلا بجمع أمواله وتأمين طريقة لنقلها إلى خارج فاس.. إلا أن المشكل أن تعليمات السلطان لم تكن تتضمن أي تفصيل يتعلق بمصير المنبهي. لقد أصبح الوزير سجين داره، ولم يكن ليُسمح له بمغادرتها، هكذا ببساطة.. كان عليه أن ينتظر «التعليمات».




