
مع انقضاء مهلة الـ60 يوما المرتبطة بمذكرة تفاهم إسلام آباد، تدخل المواجهة بين واشنطن وطهران مرحلة جديدة، وسط خلاف بشأن طبيعة هذه المهلة؛ فبينما ترى الولايات المتحدة أنها كانت إطارا للتوصل إلى اتفاق نهائي، تنفي إيران وجود موعد نهائي ملزم، مؤكدة أن المدة خُصصت فقط للمفاوضات حول رفع العقوبات والبرنامج النووي، وأنها لا تقبل اتخاذ قراراتها تحت الضغط.
وفي وقت تتهم طهران واشنطن بنقض التزاماتها وإفشال استئناف المفاوضات، تتحرك إدارة ترمب نحو تصعيد اقتصادي واسع يستهدف النفط الإيراني، والمصافي والبنوك الصينية، وشبكات الالتفاف على العقوبات وشركات الشحن والطيران، مع بحث خيارات أكثر تشددا، من قبيل الحصار البري والرسوم الجمركية. وهكذا ينتقل الصراع إلى جبهة اقتصادية أوسع، في محاولة أمريكية لخنق قنوات التجارة والتمويل الإيرانية ودفع طهران إلى تقديم تنازلات، بينما تتمسك الأخيرة بموقفها وترفض الخضوع للضغوط.
سهيلة التاور
انقضت، أمس الاثنين، مهلة الـ60 يوما المرتبطة بمذكرة تفاهم إسلام آباد الموقعة بين الولايات المتحدة وإيران، من دون أن يتمكن الطرفان من الانتقال إلى اتفاق نهائي ينهي المواجهة أو يحقق تقدما ملموسا في الملفات العالقة، وفي مقدمتها العقوبات والبرنامج النووي وحرية الملاحة في مضيق هرمز.
غير أن انتهاء هذه المدة كشف عن خلاف أساسي في تفسير طبيعة التفاهم نفسه، ففي الوقت الذي يُنظر فيه إلى الستين يوما باعتبارها الإطار الذي كان يفترض أن يقود إلى تسوية نهائية، نفت طهران بشكل قاطع وجود مهلة نهائية ملزمة لها، مؤكدة أن المدة المذكورة في المذكرة لم تكن موعدا لتوقيع اتفاق، وإنما فترة زمنية مخصصة حصرا لإجراء مفاوضات حول رفع العقوبات والملف النووي.
وشدد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، على أن بلاده لا تتعامل مع المهل أو الإنذارات باعتبارها أساسا لاتخاذ قراراتها، في رسالة واضحة إلى واشنطن بأن انقضاء الأيام الستين لا يعني انتهاء المسار التفاوضي ولا يفرض على طهران تقديم تنازلات. وذهبت طهران أبعد من ذلك باتهام الولايات المتحدة نفسها بإفشال الإطار التفاوضي، إذ قال بقائي إن واشنطن نقضت بنود المذكرة بعد أسابيع قليلة من توقيعها وانتهكت التزاماتها، الأمر الذي حال دون بدء محادثات جديدة، متهما، في الوقت نفسه، أطرافا أخرى بتنفيذ أعمال مخربة أسهمت في إطالة أمد المفاوضات.
ويضع هذا الموقف الإيراني انتهاء المهلة في سياق مختلف عن الرواية الأمريكية، إذ لا ترى طهران في التاريخ المحدد نقطة نهاية للتفاهم، بل تعتبر أن تعثر المفاوضات نتج أساسا عن عدم التزام واشنطن بما تم الاتفاق عليه. وبذلك يتحول انقضاء الستين يوما من موعد كان يفترض أن يفتح الطريق أمام تسوية إلى محطة جديدة في الخلاف بين الطرفين، خصوصا أن كلا منهما يتمسك بتفسير مختلف للتفاهم وبشروط متباينة لاستئناف المفاوضات.
تصعيد اقتصادي أمريكي
تتجه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى تصعيد الضغوط الاقتصادية على إيران، بعدما تعهد ترمب، الجمعة، بتوجيه ضربات اقتصادية قاسية إلى طهران، بينما قال وزير الخزانة، سكوت بيسنت، إن واشنطن ستفرض إجراءات «لم يسبق لها مثيل» في وقت قريب.
تأتي هذه التهديدات بعد أشهر من توسيع العقوبات الأمريكية على قطاعات النفط والشحن والتمويل الإيرانية، في وقت تستخدم واشنطن أيضا الحصار البحري للضغط على حركة التجارة الإيرانية.
وبحسب تحليل أعدته وكالة رويترز، فإن أمام إدارة ترمب أدوات إضافية عدة، أبرزها تشديد العقوبات على مشتري النفط الإيراني في الصين، واستهداف المؤسسات المالية وشبكات الالتفاف على العقوبات، وتوسيع العقوبات على شركات الشحن والطيران، فضلا عن خيارات أكثر صعوبة مثل الحصار البري والرسوم الجمركية الثانوية.
محاصرة صادرات النفط الإيرانية
يبدو أن النفط الإيراني المتجه إلى الصين يمثل إحدى أهم نقاط الضغط التي يمكن لواشنطن استهدافها.
وتشير بيانات شركة كبلر، التي أوردتها رويترز، إلى أن الصين اشترت أكثر من 80 بالمئة من صادرات النفط الإيرانية خلال عام 2025، في حين تعتمد مصافي التكرير الصينية المستقلة، المعروفة باسم «أباريق الشاي»، على جزء كبير من هذه الإمدادات.
وبدأت واشنطن بالفعل باستهداف هذه المصافي. ففي أبريل الماضي، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على مصفاة هنغلي للبتروكيماويات في الصين، متهمة إياها بشراء نفط إيراني بمليارات الدولارات.
وأكدت وزارة الخزانة الأمريكية أن المصافي الصينية المستقلة تؤدي دورا رئيسيا في دعم الاقتصاد النفطي الإيراني، وقالت إن هنغلي كانت من أكبر مشتري النفط الخام والمنتجات النفطية الإيرانية، وإنها اشترت نفطا إيرانيا بمليارات الدولارات.
ولم تتوقف واشنطن عند ذلك، إذ فرضت في ماي عقوبات إضافية على شركات وأفراد متهمين بتسهيل شحن النفط الإيراني إلى الصين.
وتكمن المشكلة في أن هذه المصافي أقل ارتباطا بالنظام المالي الأمريكي مقارنة بالشركات الصينية الكبرى، ما يجعل استهدافها أكثر تعقيدا.. لكن واشنطن تحاول الوصول إليها عبر المؤسسات المالية التي تتعامل معها. ففي أبريل حذرت وزارة الخزانة المؤسسات المالية من مخاطر التعامل مع المصافي الصينية المستقلة التي تستورد النفط الإيراني، وطالبتها بإجراء تدقيق أكبر على المعاملات المرتبطة بها.
استهداف البنوك الصينية
يكمن الخيار الآخر في استهداف البنوك الصينية التي تساعد في تمويل التجارة الإيرانية.
وقال بيسنت، في أبريل، إن واشنطن حذرت مصرفين صينيين من احتمال تعرضهما لعقوبات ثانوية إذا ثبت أنهما يعالجان معاملات مرتبطة بإيران، من دون الكشف عن اسميهما.
لكن تحويل هذا التهديد إلى عقوبات فعلية على بنوك صينية كبيرة قد يكون أكثر حساسية من استهداف المصافي، نظرا للعلاقات الاقتصادية المتوترة أصلا بين واشنطن وبكين.
وتُظهر خطوة صينية سابقة حجم التعقيد، ففي ماي أصدرت بكين أمرا بوقف تنفيذ العقوبات الأمريكية المفروضة على خمس مصاف صينية، في أول استخدام للقانون الصيني لمواجهة عقوبات أجنبية بهذا الشكل.
مطاردة شبكات الالتفاف
أما الخيار الثالث فهو مواصلة ما يمكن وصفه بـ«مطاردة شبكات الالتفاف».
وفرضت واشنطن، في أبريل، عقوبات على 35 فردا وكيانا قالت إنهم ضالعون في شبكة مصرفية ظلّية تساعد إيران على تجاوز العقوبات، وهددت المؤسسات المالية التي تتعامل مع المصافي الصينية المستقلة بعقوبات إضافية.
وفرضت وزارة الخزانة، في يونيو، عقوبات على شبكة من الأفراد والشركات والناقلات، قالت إنها تهرّب الغاز النفطي المسال الإيراني إلى جنوب وشرق آسيا تحت غطاء منشأ عماني.. لكن هذا الأسلوب يواجه مشكلة أساسية: شبكات الالتفاف تمكنها إعادة تشكيل نفسها من خلال إنشاء شركات وكيانات جديدة بعد إدراج الكيانات السابقة على قوائم العقوبات، وهو ما أشار إليه خبراء نقلت عنهم رويترز.
تضييق منافذ شحن النفط
تملك واشنطن أيضا ورقة الضغط على شركات الشحن والتأمين والناقلات التي تساعد في نقل النفط الإيراني.
ووسعت وزارة الخزانة بالفعل العقوبات على أسطول الظل الإيراني والشركات المرتبطة به، واستهدفت شبكات تستخدم شركات واجهة وسفنا لنقل النفط إلى الصين.
وتزامن ذلك مع الحصار البحري الأمريكي على إيران، الذي قالت واشنطن إنها قادرة على الإبقاء عليه لفترة طويلة، ما يضيف ضغطا مباشرا على قدرة طهران على تصدير النفط واستقبال الواردات.
إجراءات ضد قطاع الطيران
حسب تحليل رويترز، يمكن أن توسع واشنطن العقوبات لتشمل قطاع الطيران وشركات تساعد إيران على نقل التجارة، خصوصا في ظل القيود المفروضة على حركة الشحن البحري.
هذا الخيار ليس مجرد تصور نظري، إذ قالت وزارة الخزانة، في ماي الماضي، إنها مستعدة لاتخاذ إجراءات ضد شركات أجنبية تدعم التجارة الإيرانية غير المشروعة، بما في ذلك شركات الطيران، وأبقت احتمال فرض عقوبات ثانوية على المؤسسات المالية الأجنبية قائما.
الحصار البري
من الخيارات التي أوردتها رويترز إمكانية فرض حصار بري على إيران، وهو خيار أكثر تعقيدا من العقوبات المالية أو التجارية، لأنه يتطلب تعاون الدول المحيطة بإيران.
وتحيط بإيران سبع دول هي العراق وتركيا وأرمينيا وأذربيجان وتركمانستان وأفغانستان وباكستان، ما يعني أن أي محاولة لإغلاق الحدود البرية ستتطلب ترتيبات سياسية وأمنية واسعة مع عدد كبير من الدول.. إلا أن رويترز نقلت عن خبراء أن تنفيذ مثل هذا الخيار سيكون صعبا، وأن تأثيره المحتمل على الداخل الإيراني لا يضمن بالضرورة تحقيق الهدف السياسي الذي تريده واشنطن.
فرض رسوم جمركية
ثمة خيار آخر يتمثل في فرض رسوم جمركية على دول تتعامل تجاريا مع إيران، وهو أسلوب سبق أن لوّح به ترمب.. لكن هذه الورقة تواجه عقبات قانونية وسياسية، بحسب رويترز، ناهيك عن أن تحويلها إلى سياسة واسعة سيحتاج إلى أساس قانوني واضح أو تشريع جديد.
في هذا السياق أقر مجلس الشيوخ الأمريكي، في غشت، مشروع قانون يفرض عقوبات جديدة على روسيا ويتضمن بنودا تتعلق بإيران، إلا أن المشروع لا يصبح قانونا نافذا قبل استكمال المسار التشريعي والموافقة النهائية. وتناولت تحليلات حديثة احتمال استخدام الصلاحيات الجمركية ضمن استراتيجية الضغط على الدول التي تتعامل مع إيران.





