حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

الرباط «يا حسرة»

يونس جنوحي

مقالات ذات صلة

عندما صدرت أرقام المندوبية السامية للتخطيط، الخاصة بالإحصاء العام للسكان والسكنى، ظهر تحول كبير في خط تنقل المغاربة فوق الخريطة. الوجهات التقليدية للهجرة الداخلية عرفت نوعا من التجديد، الأسباب نفسها لكن الوجهات تغيرت.

سنتان مرّتا على صدور الأرقام الخاصة بالإحصاء العام لسكان المغرب، إلا أننا -حتى الآن- لم نطالع، للأسف، أي قراءة أكاديمية رصينة في هذه الأرقام.

هذا الأمر يستدعي استحضار الاهتمام الأجنبي بالتحولات الديموغرافية في المغرب. لطالما كنا موضوع اهتمام أكاديميين أجانب. منذ بدأ المستكشفون الفرنسيون «يتسللون» سرا إلى بلاد المغرب من وجدة، لإجراء الأبحاث الاجتماعية والجغرافية، والتقارير الأجنبية تتراكم..

جانيت ليبمان، عالمة اجتماع أمريكية توفيت سنة 2013، وهز خبر وفاتها الدوريات العلمية في نيويورك والعالم.. المئات من طلبتها، الذين أشرفت على أطروحاتهم، نعوا واحدة من أبرز من كرسوا مسارهم العلمي لإغناء البحث في مجال الدراسات الحضرية في العالم العربي والإسلامي.

تزوجت فلسطينيا، وصار اسمها، منذ سنة 1951، «مدام أبو الغد»، وأصبح اسمها العائلي في الوثائق الرسمية عربيا.. لذلك صعب على الباحثين الوصول إلى أوراقها العلمية الخاصة بفترة ما قبل زواجها، لأنها عندما اشتهرت، عُرفت باسمها العائلي العربي، وتأثر بذلك جزء من مسارها العلمي «قبل الزواج».

المفاجأة أن السيدة أبو الغد اشتغلت على الرباط، بل إن أشهر أعمالها يتعلق بالمدينة.

الدراسة صدرت سنة 1980، بعنوان: «الرباط.. الفصل العنصري الحضري في المغرب»، عن جامعة «بيرنستون»، وتسلط الضوء على التحولات الاجتماعية والعمرانية في مدينة الرباط، خلال فترة الحماية الفرنسية. الدراسة اهتمت، أيضا، بما أسمته «العزل السكاني» بين المغاربة والفرنسيين بشكل عام. وبفضلها وصلت أصداء «الرباط» إلى الأوساط العلمية المتخصصة، وشجعت المزيد من الباحثين في علم الاجتماع والتاريخ العمراني على الاهتمام بالمغرب وجهة للبحث العلمي.

مدينة الرباط في فترة السبعينيات، أي خلال فترة اشتغال «جانيت أبو الغد» على الدراسة، كانت لا تزال تحت تأثير بنية التفاوت الاجتماعي الموروث منذ الحماية. البسطاء في الهامش، والمحظوظون من المعمرين يستقرون في أرقى الأحياء التي وضعها المهندسون الفرنسيون.

بعد الاستقلال رحل المعمرون وصعد مغاربة محليون ليسكنوا في ذلك الطابق الشاهق. أغلبهم ورثة الأعيان، والموظفون المغاربة المتقاعدون من الإدارات الفرنسية والأطر العليا الذين تسلموا الإدارات.. فيما محافظو الرباط، رغم الثراء، ظلوا مستقرين في المنازل المغربية الفسيحة، وفضلوا ألا يختلطوا بالمظاهر الحديثة. لقد كانت أسوار المنازل القديمة ما يحول بينهم والانتقال إلى الطبقة الأخرى. لقد سقطوا في فخ «الفصل المكاني»، الذي وُضع أساسا من طرف المهندسين الفرنسيين لعزل رعايا فرنسا عن المغاربة في العاصمة الرباط منذ 1912 وقبلها.

أما الفقراء فظلوا يحتفظون بالهامش. أطراف المدينة التي صارت الآن «ضمن المركز»، بينما لا يزال الوافدون الجدد من البسطاء يستقرون في الأطراف البعيدة.

اعتمدت أبو الغد لتأمين المعطيات والأرقام الرسمية، على الإحصاء العام للسكان الذي يعود لسنة 1971، لكي تضبط نطاق انتشار أحياء السكن الراقي وتوزيع الهجرة إلى المدن، وقرأتها على ضوء التحول السكاني واستقرار المغاربة ما بين الأحياء الراقية والشعبية.

المغرب ورث هذا التنظيم المجالي مع الاستقلال. إرث إسمنتي ثقيل يفصل بين المغاربة.

واليوم، ونحن نعيش عصر «المتر المربع» والإقامات المحروسة وقروض اقتناء العقار، لا تزال تداعيات «الفصل العنصري الحضري في المغرب»، كما صورته العالمة الأمريكية «جانيت ليبمان»، قائما.. لكن تداعياته صارت أعمق، وتحتاج فقط إلى من يجلس إلى الأرض لقراءتها بنظارة الأكاديمي.. بدل اللغط الذي نتخبط فيه، حتى أننا جميعا صرنا كمن يحاول قراءة كتاب يعج بالصور، باستعمال طريقة «برايل»!

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى