
يونس جنوحي
ملايين الدولارات تُدرها المزارات على الحكومات وعلى ومجالس المدن السياحية حول العالم.
استثمار لا يحتاج إلا إلى الدعاية.. والبقية تكفل بها التاريخ!
لدينا في المغرب مآثر لا يعرف عنها المغاربة أي شيء تقريبا. لا يُروج لها في التلفزيون ولا في المدارس، ونتعامل معها على أنها موجودة وكفى..
أطلال وليلي، مثلا، يمكن أن تتحول إلى وجهة دراسية للمهتمين بالتاريخ الروماني. دور وزارة الثقافة أن تبحث عن شراكات مع الجامعات ومراكز البحث التابعة لها لتنظيم جولات لأفواج الباحثين.. تماما مثل ما يقع مع سور الصين العظيم -نعم تجوز المقارنة- أو حتى مع الأهرامات..
لكي تصور برنامجا ثقافيا لصالح قناة دولية مرموقة، أو حتى لصالح قناة حكومية خارجية، يتعين عليك المرور عبر تعقيدات إدارية لا حصر لها.. يستحسن البحث عن طريقة للسفر عبر الزمن واستخراج رخصة من روما القديمة، على أن تتيه في ممرات وزارة الثقافة للحصول على رخصة تصوير داخل موقع أثري مثل وليلي.
هذا الأمر ليس مبالغة نهائيا، بل واقع مرير عاشه زملاء صحافيون أخيرا، وطوال السنوات القليلة الماضية. لكي تصور في المغرب يتعين عليك الحصول على ترخيص من المركز السينمائي المغربي، وإذا فكرت في التصوير داخل موقع أثري يتعين عليك استخراج ترخيص آخر لا أحد سيدلك على طريقة استخراجه من وزارة الثقافة التي تبعد عن وليلي بثلاث ساعات تقريبا!
بهذه التعقيدات الإدارية سنروج لمزارات المغرب ومآثره في القنوات الدولية المتخصصة؟ الأمر نفسه ينطبق على الاوداية في الرباط. إذا أردت التصوير لصالح قناة وطنية أو دولية داخل الموقع التراثي يتعين عليك استخراج تصريح خاص رغم التوفر على ترخيص المركز السينمائي المغربي.
لكن إذا كنت تملك قناة في «اليوتوب» وتمارس تصوير الهواة ولا أحد يعرف حتى كيف ستسوق لحضارة المغرب وتاريخه، فبإمكانك التصوير والبث المباشر ولا أحد سيوقفك!
هذا الجمود في الشروط والقواعد الإدارية كفيل بطرد كل قنوات الدنيا وثنيها عن الترويج للسياحة أو الإرث التاريخي الذي تبثه القنوات المتخصصة حول العالم، التي يتابعها أكثر من ملياري شخص من المهتمين من كل الجنسيات. هؤلاء المتفرجون مؤثرون إلى درجة أنهم يحزمون حقائبهم كلما شاهدوا وثائقيا عن موقع أثري ويقررون زيارته دون تردد.. هنا بالضبط تكمن قوة القنوات الدولية المتخصصة التي تضع الإدارة المغربية ما تيسر من العراقيل أمامها لجعل المخرج يعود إلى فندقه في الرباط ومنه إلى مطار محمد الخامس الدولي!
لو تمت الدعاية لشخصية مثل الصحافي البريطاني والتر هاريس، الذي كتب عن المغرب وعاش فيه وألف عنه الكتب، منذ 1880 إلى أن توفي في طنجة ودفن فيها بداية أربعينيات القرن الماضي، لأصبح قبره اليوم مزارا لآلاف المغامرين الأجانب المعجبين بشخصيّته.
هناك آلاف المقالات التي يتساءل أصحابها عن مصير هاريس المغربي.. لماذا لا تضع وزارة الثقافة دعاية مناسبة لشخصيته ومؤلفاته رهن إشارة معجبيه لكي يأتوا إلى مقبرة طنجة التي تؤوي قبره وقبور شخصيات أخرى مثل القايد ماكلين، وتنظم جولات للسياح المعجبين بهذه الشخصيات.. بل إن ابن بطوطة، ابن البلد يا حسرة، الذي تمر هذه السنة ذكرى انطلاق رحلته العالمية قبل 700 عام بالضبط، لا أحد فكر في الترويج لضريحه الحقيقي المنسي في طنجة بين الأزقة الضيقة.. رغم أن معجبيه يعدون بالملايين حول العالم.. يا للأسف!




