الرأي

ابن خلدون وتمحيص الأخبار

بقلم: خالص جلبي

يذكر المؤرخ (ابن خلدون) في مقدمته حجارة (قرطاجنة)، التي كانت في يوم من الأيام حاضرة دولة عالمية عملاقة تضم نصف مليون من البشر، قبل أن يدمرها الرومان ويسوقوا ما تبقى من أهلها في حدود خمسين ألف نسمة عبيدا، ثم يحرثوا قرطاجنة بالمحراث، في كارثة إنسانية أثارت ذاكرة الرعب التاريخية عند تشرشل، وحرضت عنده الشعور بالفناء والعدمية والظلام، عندما رأى أشباح الجن النازية، وهي تطوق العالم الديمقراطي مع بداية الحرب العالمية الثانية، والاستعداد لعملية «أسد البحر» في محاولة إنزال القوات النازية على أرض الجزيرة البريطانية.
أقول يذكر (ابن خلدون) أن تلك الحجارة الفخمة من مخلفات بناء قرطاجنة كانت تستهوي الناس؛ فيعمد بعضهم إلى انتزاع الحجارة فيجدون أشد المشقة في ذلك ولا يستطيعون، فذهب الناس في تفسير ذلك البناء الفخم وأمثاله، مما رآه الناس في العصور الخالية من إيوان كسرى في المدائن وأهرامات الفراعنة في مصر ومخلفات عاد وثمود؛ أن الذين بنوا الأهرام كانوا عمالقة الأجسام، طوال الأعمار، مما مكنهم من هذا الإنجاز العجيب. ولكن ابن خلدون يفند هذا الشيء بعقلية علمية صارمة وبنقد تاريخي متميز، وهذا يشكل سابقة عقلية، وفهما مدهشا لآليات العمل التاريخي، بل وتدشينا وإرساء لمنهجية عقلية جديدة، في فهم الحدث التاريخي من مثل أهرامات الفراعنة، التي نحن بصدد دراستها في الإطار الحضاري التاريخي.

هل بنى الأهرامات العمالقة من البشر؟
ظن الناس قديما وتحت تأثير الخرافة والأسطورة، وجو القصة الخلاب والساحر، أن الذين رفعوا الأهرامات كانوا ذوي قامات هائلة تمتد عشرات الأذرع في السماء. وبأعمار مديدة تمتد قرونا طويلة، يدبون على الأرض كما جاء في فيلم «جوليفر». وأن الجنس البشري يمشي في خط تاريخي انحطاطي، أي المزيد من النقص في القوة والعمر والطول والتمكن، وفي جو من عدم نمو الروح العلمية، وتطور علوم الأركيولوجيا والأنثروبولوجيا والبيولوجيا وقع العقل الإنساني في فخ الخرافة، لذا فإن (عقلية) ابن خلدون تعتبر شيئا مذهلا بحق في مثل عصره ـ مع سيطرة روح الخرافة وضغط مفاهيم الأساطير الخلابة ـ وذات نوعية ريادية، حققت قفزة نوعية في كل تاريخ العقل الإنساني، مما جعل المؤرخ البريطاني (توينبي) يعتبره «أعظم عمل من نوعه أنجزه أي عقل في أي زمان أو مكانIT IS THE BEST WORK OF ITS KIND THAT IS CREATED BY ANY MIND IN ANY TIME OR PLACE»، أو على ما أشار إليه الفيلسوف إقبال في كتابه «تجديد التفكير الديني»، نقلا عن فلنت «إن أفلاطون وأرسطو وأوجستين ليسوا نظراء لابن خلدون، وكل من عداهم غير جدير حتى بأن يذكر إلى جانبه»، وكل السر في هذه العقلية هو اعتماده منهجا خاصا في تفسير الوقائع، فما هو الجديد الذي اكتشفه (ابن خلدون) من الأدوات المعرفية لفهم الحدث التاريخي، الذي لم يطوره العالم الإسلامي بكل أسف فلم يتابع رحلة ابن خلدون العقلية؛ فضلا عن الاستفادة منه وجعله أداة تطبيقية في الممارسات اليومية؟
لعل أهم فقرة في مشروع (ابن خلدون) التاريخي هي إلغاء العقلية النقلية واعتماد العقلية النقدية كخطوة أولى، فهو عندما أراد بحث ظاهرة «الكذب» التاريخي، الذي هو طبيعي في نقل الخبر «ولما كان الكذب متطرقا للخبر بطبيعته وله أسباب تقتضيه»، وصل إلى مجموعة من الأسباب الجوهرية التي تحرف صحة الأخبار، من مثل «التشيعات للآراء والمذاهب»، فيكون ذلك الميل والتشيع غطاء على بصيرتها عن الانتقاد والتمحيص، فتقع في قبول الكذب ونقله، ومنها «الثقة بالناقلين وتوهم الصدق»، ليس لأن الناقل يريد الكذب بل لعدم دقته، كما هي في العقلية العربية من العيب في عد النقود عند استردادها من المدين ومنها «الذهول عن المقاصد» ومنها «تقرب الناس في الأكثر لأصحاب التجلة والمراتب»، ليصل في النهاية إلى تسليط الضوء على عنصر في غاية الأهمية، ويعتبره أنه «سابقة على جميع ما تقدم» وهو الجهل بطبائع الأحوال في العمران، ذلك أن «كل حادث من الحوادث ذاتا كان أو فعلا، لابد له من طبيعة تخصه في ذاته وفي ما يعرض له من أحواله؛ فإذا كان السامع عارفا بطبائع الحوادث والأحوال في الوجود ومقتضياتها، أعانه ذلك في تمحيص الخبر على تمييز الصدق من الكذب، وهذا أبلغ في التمحيص من كل وجه يعرض». وهكذا فمن أجل توليد وتكوين «العقلية النقدية» يجب إعدادها بأدوات معرفية، أهمها الرجوع دوما إلى «الوقائع وطبيعتها»، فبسماع الأخبار يبقى الكاشف الدقيق والنوعي لصحتها من خطئها هو الرجوع إلى الواقع، وهكذا تتحول الطبيعة والتاريخ إلى «مصادر معرفة»، على حد تعبير الفيلسوف شاعر الإسلام (إقبال)، فالقاعدة الذهبية عند ابن خلدون هي محاكمة الأخبار إلى الواقع، فالأخبار ـ حسب ابن خلدون ـ إذا اعتمد فيها على «مجرد النقل»، ولم تُحكم أصول العادة وقواعد السياسة والعمران والأحوال في الاجتماع الإنساني، ولا قيس الغائب منها بالشاهد والذاهب بالحاضر، فلا يُؤْمَن فيها من العثور ومزلة القدم والحيد عن جادة الصدق.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى