فسحة الصيف

الطربوش الأحمر.. وصورة المغرب في العالم

مشاهير وأعلام من تاريخ المغرب

سلسلة من النوابغ الذين ارتبطوا بتاريخ المغرب بصفة مباشرة أو غير مباشرة، تركوا أثرا مهما في شتى حقول المعرفة والفنون. رجال ونساء قديما وحديثا احتفظت بهم الذاكرة المغربية والإنسانية بأسمائهم وأعمالهم، للتذكير بهم أحيانا ونفض غبار النسيان عنهم أحيانا أخرى، ونفتح الباب عريضا من أجل الكشف عن أهم المحطات البارزة في مسار حياتهم.

يخطئ الكثيرون في نسب الطربوش الأحمر التقليدي إلى أمم أخرى، كالعثمانيين أو بلاد البلقان، أو إلى بلاد الشرق عموما. الحقيقة التاريخية تؤكد أن الطربوش المغربي من أقدم الموروثات المغربية العريقة والذي تعود أصوله إلى مدينة فاس، بل تذهب بعض المصادر إلى أبعد من ذلك عندما تشير إلى قطع نقدية تعود إلى العصور المورية، التي يظهر فيها بعض الملوك مرتدين هذا الطربوش. لقد أشار المؤرخون إلى عادة ارتداء المغاربة للطربوش الأحمر في المناسبات العامة، وأنه كان دائما حاضرا في الاحتفالات الكبرى، باعتباره موروثا مغربيا أصيلا يدعو إلى الافتخار والاعتزاز يلبسه الأعيان والشخصيات البارزة في المناسبات الرسمية. إنه باختصار يشكل قطعة أساسية لما يمكن تسميته بالزي المغربي الرسمي، بالموازاة مع أزياء أخرى تكتسي الصفة نفسها والأهمية ذاتها في التعبير عن الشخصية المغربية بصفة عامة. من الإشارات التاريخية قول شمس الدين المقدسي في كتابه «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم»: «أهل فاس كانوا يغطون رؤوسهم بطاقية حمراء» والحسن الوزان في «وصف إفريقيا» يقول: «أهل فاس المغربية يغطون رؤوسهم بطاقية مصنوعة من اللباد الأحمر» واللباد نوع من القماش من ألياف الصوف وتلبد في ‫المغرب لصنعه بالصابون الأسود ‫المغربي. فما قصة انتشار الطربوش المغربي في الشرق العربي، خاصة أيام الدولة العثمانية؟ وكيف اختلط الأمر حتى غابت عن جل الناس أصوله المغربية؟
لا شك أن العثمانيين لعبوا دورا كبيرا في انتشار هذا الطربوش في بلادهم أولا وفي المشرق العربي وبلاد البلقان التي احتلوها، فقد كان هذا الطربوش، خاصة في الحقب الأخيرة للدولة العثمانية بمثابة الزي الرسمي. وفي اللغة التركية إلى يومنا هذا يسمى هذا الطربوش (فاس)، بل إن اسم المغرب كله في اللغة التركية يطلقون عليه أيضا اسم (فاس)… والتسمية نفسها في اللغات الأوروبية تطلق على هذا الطربوش، وهذه إشارة حية إلى بلده الأصلي المغرب. أما عن كيفية دخول الطربوش إلى الدولة العثمانية، فيذكر أنه أثناء دخول الأسطول العثماني إلى بلاد المغرب اشترى مجموعة من البحارة الطرابيش المغربية وقد أعجب بها قائد الأسطول خسرو باشا، فانتهز فرصة رجوعه إلى البلاد، وفي أول مناسبة زاره فيها السلطان، أمر بحارته بلبس الطرابيش والوقوف صفا أمام الحضرة السلطانية، وقد أعجب السلطان بالطرابيش ذات الزر الأسود، فأصدر فرمانا عثمانيا (أي ظهيرا بلغة المغاربة) بتعميم ارتداء الطربوش لكل أفراد الشعب، وانتشر ذلك بين الناس رجالا ونساء أيضا، ومع الوقت انتقل هذا الرداء إلى بلاد الشام ومصر وسائر بلاد المشرق، وتم ابتكار أشكال منه جديدة مختلفة الأحجام… وانقسم بالتالي إلى أنواع منها التركي والمصري والمغربي. وبحسب الخبراء، يصنف المصري الأكثر طولا بينها، ويتميز بأنه دائري الشكل، ويكون أسفله أعرض من قمته، أما التركي فهو مطابق للشكل المصري، ولكنه أقل طولا، ويبلغ طول الطربوش المغربي حوالي نصف طول المصري، كما يتشابهان في الشكل. وخلال العهد العثماني وحتى أواسط القرن العشرين، ظل هذا الطربوش مهيمنا على الحياة العامة في المشرق العربي وبلدان شمال إفريقيا، وكان معتمدا كزي رسمي في الوظائف العامة في الكثير من البلدان العربية. وما زالت السينما العربية الكلاسيكية تحتفظ بالعديد من المشاهد الخالدة يحضر فيها هذا الطربوش، رمزا وعنوانا للوجاهة أحيانا، وللثراء أحيانا أخرى. وكانت النهاية الرسمية للطربوش في الدولة العثمانية على يد كمال أتاتورك سنة 1925م، حيث أسس النظام الجمهوري وأطاح بالخلافة العثمانية وأصدر قانون القبعة، ومنع ارتداء الطربوش واستبداله بالقبعة الأوروبية.

الطربوش المغربي بالولايات المتحدة الأمريكية
بدأت تظهر في وسائل الإعلام الأمريكية، خاصة بعد الأحداث العنصرية والاحتجاجات على مقتل المواطن الأمريكي من أصول إفريقية «جورج فلويد»، صور غريبة لطائفة أمريكية تدعى «الموريش» تحمل الأعلام المغربية، ويرتدي أعضاؤها الطربوش المغربي. فالموريش، أو من يعرفون أنفسهم بمغاربة أمريكا، هم طائفة دينية ظهرت في الولايات المتحدة رسميا، قبل أكثر من قرن، حيث أعلن مؤسس الطائفة «نوبل درو علي» في العام 1913 نفسه نبيا وأسس معتقدا يخلط بين مبادئ الإسلام وطقوس المسيحية. هذه الطائفة تعتقد أن أتباعها هم السكان الأصليون للولايات المتحدة الأمريكية، وهي حركة دينية مستقلة عن الكنائس الأمريكية الأخرى، ويطلق عليها رسميا اسم «المحفل العلمي لمغاربة أمريكا»، وأتباعها معروفون بانضباطهم الشديد، يرفعون الراية المغربية على أبواب منازلهم وسياراتهم، ويرتدون على الدوام الطربوش المغربي. يعتقد كل أتباع جماعة «الموريش» أن المغاربة أول المستوطنين في الولايات المتحدة الأمريكية، ويقدسون نبيهم «درو علي» الذي أمرهم بارتداء الطربوش المغربي الأحمر، الذي يسمونه (فاس)، وأن يعرفوا أنفسهم بأنهم «موريش» وليسوا سودا، وأن سفن الرقيق والعبيد الذين استقدموا من إفريقيا لم تكن سوى خيال ابتكره المؤرخون الأوروبيون البيض. وليتم قبول الأعضاء الجدد في «محفل مغاربة أمريكا»، يتوجب على الأتباع الإقرار بأصولهم المغربية، وأن يطالبوا بجنسياتهم الرمزية كمغاربة، وأن يتخلوا عن تاريخهم المتعارف عليه، المطبوع بذكرى العبودية وطمس الهوية، وأنهم من السكان الأصليين لأمريكا، وأن يلتزموا بهذه الهوية ويعلنون عنها في شتى مناحي الحياة. ويمد محفل مغاربة أمريكا كل عضو في الجماعة عند قبول عضويته ببطاقة هوية رمزية غير رسمية، تثبت أصوله المغربية، وبجواز سفر خاص بالطائفة يختلف عن الجواز الأمريكي الرسمي. لكن الحركية التي تتسم بها هذه الجماعة رغم أعدادها القليلة مقارنة بالطوائف الأمريكية الأخرى، تجعلها حاضرة أكثر في المشهد الإعلامي، خاصة في الاحتجاجات، وما تتميز به هذه الجماعة بقدرتها التنظيمية على إدارة استعراضاتها الحاشدة بواسطة الأعلام والرايات المغربية، ما يلفت إليها النظر والاهتمام.

أشار المؤرخون إلى عادة ارتداء المغاربة للطربوش الأحمر في المناسبات العامة وأنه كان دائما حاضرا في الاحتفالات الكبرى باعتباره موروثا مغربيا أصيلا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى