الرأي

حرية الدين والمعتقد في إطار المنظومة القانونية الإسبانية 2.1

محمد ظهيــري
فرض فيروس كورونا المستجد نفسه على أجندة الجمعيات الإسلامية والمسلمين في إسبانيا، خصوصا بعد تسجيل أول حالات وفيات لضحايا «كوفيد- 19» من المسلمين، خلال الأسبوع الثاني للحجر الصحي المطبق بإسبانيا منذ 14 مارس 2020، وكذا بعد وفاة رئيس المفوضية الإسلامية في إسبانيا (CIE)، رياج ططري، يوم 5 أبريل 2020. هذه العوامل مجتمعة كانت وراء النقاش الواسع بين مختلف الفاعلين الجمعويين المسلمين، من أصول مغربية أساسا، والجمعيات واتحادات الجمعيات الإسلامية، حول القوانين المنظمة لحرية التدين والمعتقد في إطار المنظومة القانونية الإسبانية ودور المفوضية الإسلامية في إسبانيا، ككيان تمثيلي للجماعات الدينية الإسلامية، في تفعيل بنود الاتفاقية الموقعة مع الدولة الإسبانية سنة 1992م ومراقبة تنفيذها، كما ينص على ذلك قانونها الأساسي، وكذا تسهيلها توقيع اتفاقيات تعاون أو شراكة مع الحكومات الإقليمية والحكومات المحلية متعلقة بمواضيع مثل ملف المقابر الإسلامية الشائك، الذي يعاب على المفوضية الإسلامية من قبل هذه الجمعيات والاتحادات تقصيرها بخصوصه.
سنحاول من خلال هذه المقالة التطرق إلى القوانين المنظمة لحرية التدين والمعتقد في إطار المنظومة القانونية الإسبانية، منذ المصادقة على أول دستور لإسبانيا سنة 1812م، لنتوقف عند أول اتفاقية تعاون تم توقيعها بين الدولة الإسبانية والمفوضية الإسلامية في إسبانيا سنة 1992م، وصولا إلى الاتفاقية الإطار الموقعة سنة 2018 بين المفوضية الإسلامية في إسبانيا (CIE)، والحكومة الإقليمية لمدريد. على أن نتطرق في مقالات لاحقة إلى باقي المواضيع، التي لها علاقة بحرية التدين والمعتقد في إطار المنظومة القانونية الإسبانية.
منذ مصادقة البرلمان الإسباني على أول دستور لإسبانيا سنة 1812م، تبنى المشرع الإسباني مبدأ كاثوليكية الدولة ورفض الاعتراف بالأديان الأخرى. وقد تكرر هذا في دساتير سنة 1837م و1845م و1876م، حيث تعمد البرلمان عدم الفصل بين الدين والدولة. أول دستور سيتبنى مبدأ الفصل بين الدين والسياسة في تاريخ دساتير إسبانيا هو دستور سنة 1931 م، الذي تبنته حكومة الجمهورية الثانية خلال فترة حكمها القصيرة بين سنتي 1931 و1939م.
غير أن الجنرال فرانكو، بعد انقلابه على الجمهوريين سنة 1939م، عاد إلى تبني مبدأ كاثوليكية الدولة. وسوف لن يتم تكييف الدولة الإسبانية مع المعايير الأوربية في ما يتعلق بفصل الدين عن الدولة والاعتراف بحرية التدين، إلا بعد وفاة فرانكو وعودة الديمقراطية إلى إسبانيا، بعد المصادقة على دستور جديد في استفتاء سنة 1978م.
وجب التذكير، هنا، ولأسباب لها علاقة بالجنود المسلمين الذين استعان بهم فرانكو في حربه ضد الجمهوريين وكذلك بوضع مسلمي مدينتي سبتة ومليلية، إلى أن نظام الجنرال فرانكو صادق سنة 1967م على أول قانون إسباني يعترف بحرية المعتقد، وينظم حرية العبادة وعلاقات الدولة مع الديانات. هذا القانون شكل المحفز الأول لتأسيس جمعيات إسلامية بإسبانيا. وقد تم استبدال هذا النظام القانوني بالمنظومة القانونية الإسبانية، التي كرسها دستور 1978م مع عودة الديمقراطية إلى البلاد. وواضح أن الدستور الإسباني لعام 1978 حاول إعطاء موضوع «الحق في حرية التدين» الأهمية التي يستحقها، في بلد يعرف تعددية دينية وثقافية ويعيش انتقالا ديمقراطيا، بعد أربعين سنة من الديكتاتورية، حيث اعتبره حقا أساسيا ونص عليه في بابه الأول المخصص «للحقوق والواجبات الأساسية».
ينص الدستور الإسباني في فصله على أن «الحرية الإيديولوجية وحرية التدين والمعتقد مكفولة للأفراد والجماعات، دون أي قيد على نشاطاتهم، إلا ما هو ضروري للحفاظ على النظام العام الذي يحميه القانون».
كما نظم القانون الأساسي 7/1980 المتعلق بحرية التدين العلاقات بين الدولة وبعض الطوائف الدينية. فالمادة السابعة منه تنص على أن «الدولة، مراعاة منها للمعتقدات الدينية الموجودة في المجتمع الإسباني، ستُبرم، عند الاقتضاء، اتفاقيات أو شراكات تعاون مع الكنائس والديانات والجماعات الدينية المسجلة في «سجل الجماعات والجمعيات الدينية»، والتي بسبب نطاق اشتغالها وعدد المؤمنين بها، حصلت على درجة «التجذر المشهود» بإسبانيا. في كل الحالات، سيصادق على هذه الاتفاقيات في البرلمان».
وبموجب هذا القانون تمكنت الجماعات الإسلامية من الحصول على الاعتراف القانوني، المعروف في القوانين الإسبانية بـ«التجذر المشهود» (Notorio arraigo) للإسلام في إسبانيا، ابتداء من 1989م.
بعد سنوات من التنظيم الداخلي لهذه الجماعات من أجل التوافق على خلق هيئة تمثلهم أمام المؤسسات الإسبانية، وبعد جولات من التفاوض مع الدولة الإسبانية، تمكنت تمثيليتهم، ممثلة في المفوضية الإسلامية بإسبانيا، باتفاق مع الاتحاد الإسباني للجمعيات الدينية الإنجيلية واتحاد الجاليات اليهودية، من الاتفاق مع الدولة على توقيع اتفاقيات للتعاون مع الطوائف والجماعات الدينية المسجلة في «سجل الديانات المتجذرة في إسبانيا» (Registro de notorio arraigo) تجذرا مشهودا لطول تاريخها، وعدد أتباعها بإسبانيا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى