فسحة الصيف

حينما يجمع الكاهن بين التنبؤ والقضاء بين الناس

لم يكن الكاهن – في العرب- مجرد متنبئ بالغيبيات فقط، بل إلى ذلك كان يقوم بدور القضاء والتحكيم بين الأفراد، وأحيانا بين القبائل المتنازعة. يقول الأستاذ جواد: «ولم يكن الكاهـن كاهنا، بمعنى المخبر عن المغيبات فقط، بل كان حاكما يحكم بين الناس في ما يقع بينهم من خلاف. فالكاهن حاكم يفصل في الخصومات. وقد كان أكثر حكام العرب كهانا، يقصدهم المتخاصمون من مواضع بعيدة، لما عرفوا به من أصالة الرأي وصحة الحكم». ويقول في موضع آخر: «لاستشارة الناس هؤلاء الكهان في الأمور وطلبهم منهم الفصل فيها، صارت كلمة (حكم) مرادفة لكلمة (كاهن) في بعض الأحايين. وقد روى الأخباريون أمثلة عديدة من حكم هؤلاء الكهان بين الناس وطريقة فصلهم في الأمور، فهم في هذه الحالة حكام يفصلون في القضايا التي يتفق الجانبان المتخاصمان فيها على إحالتها عليهم، ولم تكن لنفوذ أحكامهم مناطق وحدود. لقد كان حدود أحكامهم المدى الذي وصلت شهرة الكاهن إليه، لذلك كان الناس يقصدون الكاهن من مناطق بعيدة في بعض الأحيان لشهرته الواسعة التي يتمتع بها بين الناس. وتتوقف هذه الشهرة بالطبع على مبلغ ذكاء ذلك الكاهن وقدرته في فهم طبيعة المتخاصمين أو السائلين، ليتمكن من إصدار حكم معقول مقبول. وتكون أحكامهم قطعية، على الطرفين إطاعتها والامتثال لها، وليس لأحد أن يعترض عليها. ولذلك يأخذ الكاهن من الطرفين المتخاصمين، قبل سماعه الشكوى، عهدا بوجوب الامتثال لحكمه، وعدم رده مهما كان نوع الحكم».
وقصة عبد المطلب – جد النبي صلى الله عليه وسلم- تقدم لنا فكرة جيدة عن الأدوار المتعددة للكهان: «قال ابن إسحاق: وكان عبد المطلب، في ما يزعمون، نذر حين لقي من قريش ما لقي عند حفر زمزم، لئن ولد له عشرة أنفار، ثم بلغوا معه حتى يمنعوه، ليذبحن أحدهم لله عند الكعبة.
فلما تكامل بنوه عشرة، وعرف أنهم سيمنعونه، وهم: الحارث، والزبير، وحجل، وضرار، والمقوم، وأبو لهب، والعباس، وحمزة، وأبو طالب، وعبد الله، جمعهم ثم أخبرهم بنذره ودعاهم إلى الوفاء لله عز وجل بذلك. فأطاعوه وقالوا: كيف نصنع؟ قال: ليأخذ كل رجل منكم قدحا، ثم يكتب فيه اسمه ثم ائتوني.
ففعلوا ثم أتوه، فدخل بهم على هبل في جوف الكعبة، وكانت تلك البئر هي التي يجمع فيها ما يهدى للكعبة، وكان عند هبل قداح سبعة، وهي الأزلام التي يتحاكمون إليها إذا أعضل عليهم أمر من عقل أو نسب أو أمر من الأمور، جاؤوه فاستقسموا بها، فما أمرتهم به أو نهتهم عنه امتثلوه.
والمقصود أن عبد المطلب لما جاء يستقسم بالقداح عند هبل، خرج القدح على ابنه عبد الله وكان أصغر أولاده وأحبهم إليه، فأخذ عبد المطلب بيد ابنه عبد الله وأخذ الشفرة، ثم أقبل به إلى إساف ونائلة ليذبحه، فقامت إليه قريش من أنديتها، فقالوا: ما تريد يا عبد المطلب؟ قال: أذبحه، فقالت له: قريش وبنوه إخوة عبد الله: والله لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه، لئن فعلت هذا لا يزال الرجل يجيء بابنه حتى يذبحه، فما بقاء الناس على هذا!
… ثم أشارت قريش على عبد المطلب أن يذهب إلى الحجاز فإن بها عرافة لها تابع، فيسألها عن ذلك، ثم أنت على رأس أمرك، إن أمرتك بذبحه فاذبحه، وإن أمرتك بأمر لك وله فيه مخرج قبلته.
فانطلقوا حتى أتوا المدينة فوجدوا العرافة وهي سجاح، في ما ذكره يونس بن بكير عن ابن إسحاق، بخيبر، فركبوا حتى جاؤوها فسألوها وقص عليها عبد المطلب خبره وخبر ابنه، فقالت لهم: ارجعوا عني اليوم، حتى يأتيني تابعي فأسأله.
فرجعوا من عندها، فلما خرجوا قام عبد المطلب يدعو الله، ثم غدوا عليها. فقالت لهم: قد جاءني الخبر، كم الدية فيكم؟ قالوا: عشر من الإبل، وكانت كذلك. قالت: فارجعوا إلى بلادكم، ثم قربوا صاحبكم وقربوا عشرا من الإبل، ثم اضربوا عليها وعليه بالقداح، فإن خرجت على صاحبكم فزيدوا من الإبل حتى يرضا ربكم، وإن خرجت على الإبل فانحروها عنه، فقد رضي ربكم ونجا صاحبكم.
فخرجوا حتى قدموا مكة، فلما أجمعوا على ذلك الأمر قام عبد المطلب يدعو الله، ثم قربوا عبد الله وعشرا من الإبل، ثم ضربوا، فخرج القدح على عبد الله، فزادوا عشرا ثم ضربوا، فخرج القدح على عبد الله؛ فزادوا عشرا فلم يزالوا يزيدون عشرا ويخرج القدح على عبد الله حتى بلغت الإبل مائة، ثم ضربوا فخرج القدح على الإبل، فقالت عند ذلك قريش لعبد المطلب، وهو قائم عند هبل يدعو الله: قد انتهى رضا ربك يا عبد المطلب. فعندها زعموا أنه قال: لا حتى أضرب عليها بالقداح ثلاث مرات. فضربوا ثلاثا ويقع القدح فيها على الإبل، فنحرت ثم تركت لا يصد عنها إنسان ولا يمنع…
وقد روي أنه لما بلغت الإبل مائة خرج القدح على عبد الله أيضا، فزادوا مائة أخرى حتى بلغت مائتين، فخرج القدح على عبد الله، فزادوا مائة أخرى فصارت الإبل ثلاثمائة، ثم ضربوا فخرج القدح على الإبل فنحرها عند ذلك عبد المطلب. والصحيح الأول. والله أعلم». (السيرة النبوية، 1/174 إلى 176. هذا الخبر تذكره كثير من كتب السيرة، ولم أجد – في ما راجعته منها- كلاما عن أسانيده ودرجته. فقد ذكره ابن إسحاق، ولم يعلق عليه لا هو ولا السهيلي في روض الأنف، ولا ابن كثير في سيرته. وذكره البيهقي في دلائل النبوة، 1/81، بسنده عن ابن إسحاق. واكتفى الكلاعي بقوله: قالوا في ما يزعمون والله أعلم، ثم ذكر الخبر. لكن ابن سعد أورده في الطبقات هكذا: أخبرنا محمد بن عمر – أي الواقدي- أخبرنا محمد بن عبد الله عن الزهري عن قبيصة بن ذؤيب عن ابن عباس. ثم قال الواقدي أيضا: وحدثنا أبو بكر بن أبي سبرة عن شيبة بن نصاح عن الأعرج عن محمد بن ربيعة بن الحارث وغيرهم، قالوا… ثم ذكر الخبر، 1/88. ولعله مذكور أيضا في دلائل النبوة لأبي نعيم. لكن من الواضح أن هذا الخبر ضعيف من حيث السند، ولو كان صحيحا ما اختلف العلماء منذ عهد الصحابة في تعيين الذبيح هل هو إسحاق، أم إسماعيل).
وقصة عبد المطلب ونذره مثال للأعمال المتعددة التي كان يقوم بها الكاهن، من الإخبار عن المجهول والخفي، والفصل بين الخصوم، وتقديم الاستشارة… ولهذا كان للكاهن دور اجتماعي علاوة على عمله الديني، والكهنة – من هذه الزاوية- يختلفون عن سدنة المعابد ورعاة الأصنام، وإن كانوا في بعض الحضارات شيئا واحدا، وطبقة واحدة، أي أن رجلا واحدا يكون كاهنا وسادنا في آن.

لم يكن الكاهـن كاهنا بمعنى المخبر عن المغيبات فقط بل كان حاكما يحكم بين الناس في ما يقع بينهم من خلاف

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى