
تداولت مواقع التواصل الاجتماعي، قبل يومين، شريطا لنساء تعرضت كرامتهن للإهانة بمدينة مشرع بلقصيري، وذلك خلال جمعهن في طوابير طويلة، أمام مركز الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات، من أجل التسجيل في لائحة العمل الموسمي في حقول الفراولة بإسبانيا.
حادثة مخجلة مثل ما تم تداوله لم تكن حادثة بسيطة، لا يمكن المرور عليها بسهولة. فحوادث من هذه الشاكلة مؤلمة ومحزنة، مخجلة ومسيئة لصورة البلد ولصورة وكرامة المرأة، كما أنها مشاهد تكشف حجم الهشاشة والفقر الذي أصبحت تعاني منه شرائح واسعة من المجتمع في هذه المرحلة الاقتصادية والسياسية الصعبة.
المشاهد المخجلة التي تم تداولها تعكس أمرين في غاية الأهمية، الأمر الأول أنها تنفي صحة ما يروجه المسؤولون حول وجود تطور في تدبير الإدارة، وخصوصا مشروع الرقمنة. لقد تبين من خلال طريقة الازدحام أمام خدمة عمومية، أننا لا نختلف عما جرى في عام البون من أربعينيات القرن الماضي، حيث الطوابير الطويلة للحصول على الوصل الذي كان يوزع على المواطنين كإجراء لمواجهة الجوع، ويمنح بموجبه لحامله كمية من المواد الغذائية.
من المؤسف، بل المحزن أن تقوم إدارات عمومية كبرى بالتعامل مع خدمات المواطنين بمنطق عام البون، في زمن كان يمكن للإدارة أن تسجل الأفراد عن بعد بشكل إلكتروني، دون الحاجة إلى هذا المشهد المخزي، فلا معنى لأن تتزاحم مئات النساء ونستنفر نصف القوات المساعدة للإقليم، بينما كان يمكن بطريقة إلكترونية ووسائل التواصل الجديدة أن تفي بالغرض.
في دول جارة كإسبانيا، يستحيل أن يتقدم مواطن نحو باب إدارة عمومية أو خاصة، إذا لم يكن قد حجز له موعدا بشكل مسبق في موقع تلك الإدارة، أما الحصول على الوثائق فأصبح متاحا بكبسة زر من البيت. وهكذا لم يعد مشهد الطوابير أمام المؤسسات والإدارات موجودا.
الدرس الثاني الذي يمكن استخلاصه مما جرى، أن ذلك الازدحام للنساء من أجل الهجرة المؤقتة للعمل الشاق في حقول الفراولة الإسبانية، هو بمثابة دق ناقوس الخطر إزاء الفقر المدقع الذي تعاني منه أغلب الأسر في المغرب، إذ تدفع الحالة الاجتماعية للنساء إلى قبول هذه الفئة للإهانة أمام أعين السلطة العمومية للهجرة، ولو بشكل مؤقت، ما يعني أن أبواب الشغل أغلقت في وجوههن في بلدهن، ولم يعدن قادرات على إيجاد الحلول المناسبة لمشكلتهن.
ومن المؤكد أن الأبواب أغلقت في وجه الكثيرين من الشباب والمواطنين، جراء الأوضاع الاقتصادية والمعيشية والسياسية، ما يستدعي دق ناقوس الخطر، ورفع منسوب الحذر. فالحكومة ومؤسسات الدولة مسؤولة بشكل مباشر عن هذه الأوضاع والظروف الصعبة، ويجب عليها أن تتعامل بمسؤولية وفعالية معها، من خلال تسريع إصلاحاتها الاجتماعية.




