
نعيمة لحروري
لا أعرف مناسبة دخل الفرح إلى قلوب المغاربة كما تفعل انتصارات المنتخب الوطني. ففي لحظات قليلة، يخرج الوطن كله إلى الشارع، لا ليحتفل بفريق لكرة القدم، بل ليحتفل بنفسه.
حين يفوز المغرب، لا يفرح جمهور كرة القدم وحده. يفرح الطفل الذي لا يعرف تفاصيل الخطط، وتفرح الأم التي تتابع المباراة بالدعاء أكثر مما تتابعها بالتحليل، ويفرح الشيخ الذي يستعيد مع كل هدف شيئا من شبابه، ويفرح المغربي في الخارج كأنه عاد فجأة إلى الحي والدار والبلاد.
يخرج الناس إلى الشوارع كأنهم يعرفون بعضهم منذ زمن. يحيون الجميع، ويسلم الجميع على الجميع، ويعانق الجميع الجميع. تختفي الفوارق الصغيرة، وتذوب المسافات التي تصنعها الحياة اليومية بين الناس. لا أحد يسأل الآخر من يكون؟ ولا من أين أتى؟ ولا ماذا يملك؟ يكفي أن يحمل العلم، أو يردد النشيد، أو يبتسم ابتسامة مغربية واسعة، حتى يصبح واحدا من العائلة الكبيرة التي اسمها المغرب.
ذلك الفرح الجماعي هو في حد ذاته صورة جميلة لهذا البلد. صورة المغرب الذي يتقن الفرح حين يجد ما يجمعه، والذي يستطيع أن يحول هدفا في مباراة إلى عرس شعبي مفتوح. تصبح الشوارع أكثر دفئا، وتصبح الرايات أكثر حياة، وتصبح الوجوه أكثر قربا. كأن الوطن، للحظات، يخرج من الخرائط والوثائق الرسمية، ليصير حضنا واسعا يتسع للجميع.
ولذلك، فإن انتصارات المنتخب ليست مجرد نتائج رياضية. إنها لحظات وطنية كاملة، تصنع وجدانا جماعيا، وتمنح المغاربة فرصة نادرة ليقولوا بصوت واحد، إنهم يحبون هذا البلد ويفخرون به. كرة القدم هنا لا تكون مجرد لعبة، بل لغة مشتركة يفهمها الجميع، من الطفل إلى الكبير، ومن المقيم إلى المهاجر.
ثم إن لهذه الانتصارات أثرا يتجاوز حدود الفرح الداخلي. فكل فوز مغربي كبير هو إعلان غير مباشر عن المغرب أمام العالم. حين يلمع اسم المغرب في المونديال، تلمع معه الراية، والجمهور، والمدرجات، والصور القادمة من الشوارع المغربية. يتابع العالم ليس فقط نتيجة المباراة، بل يتابع أيضا شعبا يعرف كيف يحتفل، وكيف يحب منتخبه، وكيف يحول الفوز إلى مشهد إنساني دافئ.
هذه هي القوة الناعمة في أجمل صورها. لا تحتاج إلى خطابات طويلة ولا إلى حملات تواصلية مكلفة. يكفي أن ينتصر المنتخب، وأن تمتلئ الشاشات بالأعلام الحمراء والنجوم الخضراء، وأن يرى العالم تلك الحشود الفرحة في الرباط والدار البيضاء ومراكش وطنجة ووجدة والعيون، حتى تصل الرسالة واضحة: المغرب بلد حي، بلد شغوف، بلد له روح لا تشبه غيرها.
ومن خلال هذه الانتصارات، يكتشف كثيرون المغرب من زاوية أخرى. يسألون عن هذا الجمهور، عن هذه الطاقة، عن هذا الحب، ثم يسألون عن البلد نفسه: عن مدنه، عن ثقافته، عن ضيافته، عن تاريخه، عن ألوانه وروائحه وموسيقاه. وهكذا تتحول الكرة، دون ضجيج، إلى نافذة سياحية وثقافية وإنسانية مفتوحة على المغرب.
إن ما يقدمه المنتخب إلى المغاربة لا يقاس فقط بالأهداف، ولا بالأدوار التي يبلغها في المنافسات. قيمته الكبرى أنه يمنحنا لحظة صفاء جماعي، لحظة نرى فيها أنفسنا أجمل، ونرى بلدنا أقرب، ونرى الناس حولنا أهلا لا غرباء. يمنحنا ذلك الإحساس النادر بأننا، رغم كل اختلافاتنا، نستطيع أن نفرح معا وبصدق.
لهذا، حين يفوز المغرب، لا يكون الفرح تفصيلا عابرا. يكون وطنا كاملا وقد ارتدى قلبه على كتفيه، وخرج إلى الشوارع ليقول للعالم:
هنا شعب يحب الحياة، يحب رايته، ويعرف كيف يحول انتصارا رياضيا إلى لحظة وطنية لا تنسى.





